وحين قارب العلام القصر وجده مضيئا على غير عادته فغمغم لنفسه: ما تزال صاحية، عزيزة.
وعندما وصلت إلى أذنيه نغمات أندلسية غريبة عذبة الإيقاع، توقف طويلا منصتا بكل جوارحه محاولا تعرف الصوت، فما من مغنية بارزة لا يعرفها العلام: من تكون؟!
ظل يواصل اقترابه عبر بساتين قصر العزيزة العطرة مختبئا بين الأشجار متقدما مستمعا، إلى أن أصبح ما بداخل القصر تحت كامل بصره وسمعه: عجايب!
أربعة أشخاص لا يعرفهم وعزيزة وسعدى معهم يأكلون ويغنون، رجل في منتصف العمر، مرح يفيض حيوية وحبورا، وثلاثة شباب كالبدر وجارية حسنة الصوت والموشحات. تراجع العلام مغمغما لنفسه وقد آلمته أضراسه فجأة: جواسيس بني هلال! هم بذاتهم، هم، هم.
كان أبو زيد ورفاقه قد رافقوا الدلال اليهودي الذي اصطحبهم بعربته المطهمة التي تجرها أربعة خيول اندفعت بهم عبر شوارع قرطاج وبساتينها وحاراتها إلى أن شارفت قصر العزيزة الباهر المنعزل، فترجلوا حسب طلب الدلال بين بساتينه يأكلون ما شاء لهم من فاكهة على غير أوانها: كلوا، كلوا.
واستأذنهم في عرض أمر عقد الزمرد الذي في حوزة يونس على الأميرة عزيزة قبل مفاجأتها من قبل الجميع والدخول عليها على حين غرة، خاصة وأنهم غرباء، قائلا: عذرا، ضيوف.
ثم تابع الدلال لكبيرهم «أبي زيد» موضحا: غرباء.
ووافقوا من فورهم عاقدين الآمال على بيع العقد لابنة سلطان تونس.
وغاب الدلال طويلا داخل متاهات قصر السفيرة عزيزة الباهر المزدحم بالحراس والجواري والزائرين والزائرات، بالإضافة إلى من تحبهم وتحنو عليهم من الفنانين والشعراء والمغنيات والرسامين والمهندسين المعماريين والموسيقيين من تونسيين وأجانب.
وغاص الدلال اليهودي العجوز في متاهات قصر العزيزة مختصرا الطريق إلى أقرب جواريها ليسر في أذنها بطلب مقابلتها عاجلا وقبل فوات الأوان، وخلاصة الموضوع جوهرة نادرة هائلة القيمة لم ير مثلها في حياته سلفا - أي الدلال - بأيدي بضعة دراويش أو سائلين غرباء أحضرهم بنفسه إلى هنا، وهي معهم الآن.
وانتظر الدلال رد الأميرة عزيزة بفارغ الصبر وعيناه لا تغفل عن أبي زيد ورفاقه الذين تبدوا له منذ وقعت عيناه عليهم أنهم بلهاء قد لا يعرفون ما بأيديهم من غالي الجوهر، مما يسهل سمسرته وأتعابه من كلا الطرفين البائع والشاري: فرصة العمر الليلة.
وكان كلما انتهت العزيزة من مقابلة وفد من الوفود فرادى كانوا أم جماعات، انفرجت أساريره وجدد المطالبة بالإسراع بالمقابلة: جوهرة الجواهر، الليلة!
إلى أن حانت فرصة الدلال حين لمح شبح الأميرة سعدى موصلة أحد الوفود من موسيقيين وعازفين بأزيائهم البهيجة وآلات طربهم، فاندفع من فوره واقفا متصديا لها لدى عودتها إلى حيث صديقتها العزيزة، مسرا في أذنها بما في حوزته الليلة، وهو عقد جوهر قديم شرقي، لا يقدر بثمن وبلا ثمن، وارتفع صوته مصرا مؤكدا: أجل بلا ثمن (يقصد أن سعره رخيص جدا).
وحاولت سعدى التخلص منه وإبعاده دون جدوى. - زمرد!
وواصل الدلال اقتحامه مقتربا أكثر من سعدى، مشيرا إلى حيث بستان العزيزة: مع أولئك الأعراب الغرباء البلهاء.
تطلعت سعدى بعدما غالبها فضولها: دراويش، فنانين، بدو ...
تساءلت مشرئبة: أين؟ - داخل البستان الغربي للأميرة عزيزة.
ولم تتمالك سعدى من الخطو باتجاههم، حتى إذا ما قاربتهم اجتذبها من أعماقها مشهدهم الباهر الذي لا بد أن يستهوي العزيزة كثيرا.
مضت من فورها متطلعة إلى مرعي في ألفة وحنو كمن تعرفه منذ زمن لدرجة اجتذبت اهتمام الدلال ذاته الذي بادرها معرفا: هذا مرعي.
وأضاف متجها من فوره إلى يونس: والعقد مع يونس.
هنا كان يونس قد أخرج عقد الجوهر من جيبه دافعا به إلى يدى سعدى التي تأملته في استغراق كبير، مندفعة من فورها مرحة إلى الداخل قائلة: الأميرة عزيزة فورا.