إلى أن حانت من عزيزة نظرة جانبية إلى مرآة رأت فيها جيدها المزين بعقد الزمرد: رائع يا يونس العقد! أروع مقتنياتي!
وحين قاربته في محاولة لمعرفة أصله وموطنه أخبرها دون أن يذكر أنه ورثه عن جدته الشماء. - الغريب أن الزمرد القائم هو حجري المفضل.
ثم استدارت مستنجدة بسعدى التي كانت ساعتها منشغلة لأخمص قدميها في الترحيب بمرعي ورصد حركاته وإيماءاته المعبرة عن مدى فروسيته. - أليس كذلك يا سعدى؟ - أجل، أجل.
وحين جاء أوان العشاء تحلقوا جميعا حول المائدة في ألفة من يعرفون بعضهم البعض منذ زمن طويل. - مدوا أياديكم، تفضلوا.
وسمعت تعليقات أبي زيد: لقمة هنية تكفي مية.
انشغلت عزيزة بإطعام يونس، وقد جلس منتصب القامة كالرمح في مواجهتها.
وحين انتهوا من عشائهم ودارت أقداح القهوة والمرطبات جاء دور الغناء، فطالب الجميع مي بالغناء الذي أثار إعجاب كل من عزيزة وسعدى، بل ومشاهير مغنيات العزيزة اللواتي انبهرن بعزفها وموشحاتها ومواويلها التي لا تخلو من حزن دفين وشجن متوقد للأهل في المشرق ونجد المرية خاصة.
وكان كل هذا ترصده عينا العلام المتلصصتان في اندهاش مرير من مخبئه بين ثنايا أغصان وأشجار بستان العزيزة مشتعلا في حسرة وحسد صارخا لنفسه: هم جواسيس عرب المشرق.
| الزناتي يفاجئ العشاق الأربعة
تراجع الأمير العلام في مكمنه المختبئ بين أدغال بستان العزيزة مروعا وهو يرقب في أقصى ذهوله غير مصدق ما تشهده عيناه المتلصصتان وتسمعه أذناه، وهو يفح لنفسه وقد عاوده ألم أسنانه: هم بذاتهم، حسب أوصافهم، جواسيس، عرب المشرق، الهلالية.
غطس وجهه في ظلام البستان يستنجد بحرسه وعسسه، إلا أنه عاد كمن يسترجع عواقب ما سيحدث الليلة: ليس الآن يا عزيزة، ليس أوانه.
من جديد تحرك مستديرا متخذا نفس وضعه.
لم يكن أبو زيد الهلالي أكثر انتصارا في تحقيق مآربه، ما عليه الآن هذه الليلة؟ فهو الآن وجها لوجه مع حاكم تونس وتخومها وفارسها الأول خليفة الزناتي، وإلى الخلف منه وقف العلام بن هضيبة داخل قصر العزيزة وسعدى: أحقا ما يحدث؟!
ولعلها هي ذات الأحاسيس التي رادوت يونس وإخوته ومي الحزينة: أحقا؟!
أما عزيزة التي أذهلتها المفاجأة بدخول عمها الزناتي مقرها خلسة وفي أعقابه كرباجه الضارب العلام ابن عمها، والذي استحال نظرها في الأيام الأخيرة إلى عدو حقيقي ينزف حقدا وغلا عليها وحدها دون نساء تونس جميعها.
فما إن رحبت عزيزة مسرعة بالزناتي، ووقعت عيناها على العلام حتى صرخت في وجهه كمن تكشف لها الموقف: ثعبان!
عاجلتها سعدى مرحبة بأبيها: أرقط ومنقط.
أما خليفة الزناتي فمضى من فوره متفرسا في ملامح الغرباء الخمسة، كمن يتذكر مجهدا أين صادفهم والتقى بهم، ذلك الكهل الأسمر والشبان الثلاثة والجارية بذاتها مع قيثارتها.
استدار مستطلعا العلام: أين؟
أجاب العلام على الفور متغاضبا إلى حد التجاهل الكامل سباب وشتائم عزيزة وسعدى: يبدو أنهم أكثر من مجموعة.
زفر الزناتي متضايقا منه، مستديرا مرحبا وعزيزة تقدم له ضيوفها: فنانون (مشيرة إلى أبي زيد) شاعر عظيم وصوت مي، على باب الله.
قاربته سعدى وعيناها لا تغفل عن مرعي مداعبة: اتفضل استرح يا أبي.
وشدد هو من قبضته على يدها مواصلا استغراقه وتطلعه: سعدى ابنتي، من هؤلاء؟ - شعراء وفنانون ...
بل إن الزناتي ذاته هدأت ملامحه إلى حد الترحيب بالجميع، يونس وأبي زيد ... - مرحبا بالضيوف (مشيرا إلى الأرض) دياركم.
أما العلام فأبدى مللا وامتعاضا وهو يتطلع عن قرب في وجه يونس بالذات وأبي زيد والباقين، وبالتحديد إلى مناطق أعناقهم الخمسة حتى الجارية كانت ساعتها تغني، بعد أن طالبها الجميع بالغناء وتبديل ما حط عليهم من حرج مفاجئ لم ينج من نظرات العلام المتفحصة.