وهنا تدافعت وفود حجابه ومستشاريه لتنفيذ أوامر الزناتي. - الأمير العلام الليلة، حالا.
واصل الزناتي مشيرا بحربته إلى عينيه قائلا في صرامته المعهودة: لن تذوق عيناي نوما الليلة قبل مثول العلام، حتى ولو كان في سابع نومة أحضروه.
كانت مشكلة المشاكل تلك الليلة التي لم تنم فيها عين من عيون حكام تونس وشيوخها في البحث المضني على طول قرطاج وتونس وتخومها عن العلام، ولكن دون طائل.
إلى أن تجمعت محصلة الأخبار منبثة عن أن العلام قارب القيروان، عبر مطاردته لجواسيس بني هلال المتنكرين الذين تسللوا داخلين إلى تونس في غفلة من حراسها.
إلى أن جاءت الأخبار بعد بضع ساعات أن الأمير العلام تمكن من أسر جواسيس بني هلال الأربعة، وجاء وصفهم كالآتي: رجل دائب الحركة في منتصف العمر، يعتقد أنه أبو زيد الهلالي ذاته، وثلاثة أمراء متنكرين، وأميرة مغنية حسنة الصوت عذبة الملامح دقيقة الجسم.
حتى إذا ما وصلت تلك الأنباء إلى أذني الزناتي - السهران - المؤرق، جاء رده في صيغة أمر صارم: أحضروهم أحياء، الآن.
وبدا منظرهم مزريا للغاية، مثيرا لكل شفقة لكل من وقع بصره عليهم حتى الزناتي ذاته، الذي مضى يتأملهم وهم يحبون على أربع عند قدميه!
وظهر أحدهم كرجل مسن له هيئة الشعراء الجوالين: على باب الله!
بمدح وقدح بربابته وخرجه الكبير الذي طغى على نصف بدنه الواهن، ومعه فتاة صغيرة بيضاء باهرة الجمال تنبض بالأنوثة وبيدها قيثارتها وهي تحبو تحت أثقال شعرها العسجدي الأحمر مستنجدة: بعرضك، ستر الله عرضك!
وكانت تتكلم بلهجة البدو التونسيين من «حوش» وغجر بسطاء.
وكان هناك أيضا ثلاثة شبان أبرياء الوجه والملامح يسند الواحد منهم الآخر، وقد حاول كبيرهم التماسك تحت جراحه الدامية من آثار الضرب المبرح من قبل العلام وجنوده، فبدا لسانه ملتصقا بسقف حلقه الجاف.
أما العلام فقد وقف كمن يلقي بأسراه تحت قدمي عرش الزناتي مشيرا في أفعوانية وغطرسة: ها هم.
واندفع مختلقا للزناتي قصة عثوره عليهم وعلى بعض عيونهم بعد مطاردة طويلة، خاصة كبيرهم صاحب الملاعيب، ثم أسر في أذن خاله الزناتي بما يظن: لا تغرك مسكنته هذه.
ونزل العلام مسرعا نشطا السلالم المفضية إلى عرش الزناتي متجها من فوره إلى حيث يقبع الأسير العجوز الأسمر اللون الذي انحبس عنه لسانه من هول ما يحدث، فمضى يدور حول نفسه مطرقا باكيا مولولا بلا صوت.
ومد العلام ذراعه في خاصرته تحت عباءته مخرجا سلاحه المطعم بالذهب الأحمر صارخا بأقصى حدة: خذوهم.
هنا انقض حرس العلام حسب إشارته على الأربعة فقطعوا رءوسهم عن أجسادهم وهم يصرخون والزناتي يغمغم متثائبا: أنام ... أنام.
أغمض خليفة الزناتي عينيه محاولا النوم مع آخر صيحات الفنانين الشعراء الأربعة، وسرعان ما خبا صراخهم تحت طعنات العلام حسب أوامره الصارمة، لكي يتم تعذيبهم وشل حركتهم أثناء اصطحابهم عبر الطريق إلى قصر الزناتي. - لا صوت واحدا يسمع منهم ولا همسة.
وهكذا طعن حرسه أولئك الأربعة تعذيبا وضربا إلى حد شل كل ألسنتهم وحركتهم أمام الزناتي: كتما، كتما.
لذا تم تنفيذ كل شيء بتمامه إلى الحد الذي أرخى جفون خاله الزناتي بعد طول سهد وانتظار، وبدأ يستسلم للنعاس متثائبا مغمغما مشيرا عليه وللجميع بالانصراف: خير يا علام يا ولدي.
فانسحب العلام أقرب إلى المطرقة منه إلى المنتصر، عبر أبهاء قصر الزناتي وحرسه، وعيونه تقطر حسرة وألما، كان يجاهد في إخفائهما عن العيون المتطلعة المحيطة: عموا مساء.
عند البوابة الخارجية للقصر أخذ العلام موكبه مقررا العودة إلى قصره وهو يشعر بالتعب والإرهاق: أنام مثل الناس.
وزفر متنهدا شاردا في عزيزة مقررا العودة عبر الطريق الأقرب لقصرها، كما كان يحلو له في سابق أيامه الخوالي معها.