كان يتصدى للإيقاع بكل من تسول له نفسه الاقتراب من تخوم تونس وأسوارها المنيعة وبواباتها وقلاعها الموصدة ضد كل طامع أو معتد، سواء كان أولئك المعتمدون والطامعون من الغرباء أو كانوا من اليونانيين والبطلميين والرومان أو من القبارصة أو الإيجيين أو البدو من عرب المشرق.
ولهذا تجبر العلام في معاملة أولئك الغرباء والمتسللين أيا كانوا وتحت أي سماء، فكان يقبض عليهم ليودعهم سجونه وزنازينه المطمورة تحت الأرض، أو قد يلح في مطاردتهم إلى أن يوقع بهم في البحر المحيط بالبلاد ليعود بجيشه وكتائبه بعد ذلك سالما منتصرا أمام عيني مولاه خليفة الزناتي، الذي أسلم له مقاليد أمور مثل هذه الوقائع «البسيطة» التي تحدث هنا وهناك بشكل يومي، ولا يحتاج ردعها إلى تدخله شخصيا في القتال والنزال، باعتباره - أي الزناتي - فارس تونس الأول ومصدر هيبتها.
إذ ليس من المعقول أن يتصدى الزناتي لمختلف هفوات العوام اليومية أو حتى حملات الطامعين من «الهمج» الأفريقيين من أحباش وغيرهم وغينيين وصوماليين، وهو - الزناتي - الذي نازل منذ شبابه الجيوش الجرارة المدججة بكل سلاح وعتاد، دفع بهم إلى الموت الجماعي إما غرقا في مياه البحار والمحيطات، وإما على منحدرات تلال تونس وسهولها وأراضيها المترامية المتفجرة خضرة وعطاء، كما أنه هو ذاته أبو سعدى الزناتي الذي صيغت عنه الملاحم والأشعار التي تتغنى بها الأقوام والشعوب والقبائل مشرقا ومغربا.
أنا أبو سعدى الزناتي خليفة
لي في أفعالي يا كرام شهود
شهودي نهودي والقائم صارمي
بيض الرمادي واخيات جمود
أنا أبو سعدى الزناتي خليفة
هنيئا لمن كان خالي عنا حقود.
فليس من المعقول أبدا أن يتخلى الزناتي عن استرخائه ولذائذه ليشغل نفسه بالتوافه وبكل صغيرة وكبيرة، ترك أمرها لجلاده الأصغر العلام بن هضيبة ابن أخته، الذي توسم فيه منذ أن تربى في حجره كل طاقات العنف وقسوة القلب وكل علامات الكره والحقد، فاكتمل ناحلا أصفر الوجه عبوسا على شاكلة كل منتش بسفك الدم وإهراقه، بل على شاكلة وطبائع الزناتي ذاته خاله ومعلمه الأول.
لذا فما إن تناهى إلى أسماع الزناتي خليفة خبر مفاده ذلك التسيب الحادث والفوضى عند مداخل بوابات تونس قرطاج، وبخاصة حين أسر له «عياره» - وكان عجوزا محنكا نافذ البصيرة - بالشك في تسلل بعض عيون عرب المشرق المعروفين بالهلالية، حتى انتفض كالملدوغ سائلا عن ابن أخته العلام بن هضيبة: أين العلام؟ ماذا يحدث؟! عيون بني هلال، يا لها من كارثة! هنا في تونس ... قرطاج؟!
ومضى يتساءل منزعجا عبر جنبات قصره يطرق كفا بكف غير مصدق: جواسيس عرب المشرق! جواسيس الهلالية! أيعقل هذا؟!
فكيف تصل الغفلة والتسيب بالعلام إلى حد تسلل عيون بني هلال وبصاصيهم إلى تونس بطولها وعرضها؟! وعلى هذا النحو يسوقه بصاصو الزناتي والعلام ذاته من دون التوصل إليهم أو إلى أثرهم، فهو ما لا يطاق: كارثة.
استدار سائلا في حدة: هذا أمر لا يمكن احتماله ...!
استدار الزناتي وهو يتفوه بهذه الكلمات نازلا عن عرشه المتوارث منذ ملوك اليمن من العرب العاربة أو الغابرة: لا يحتمل يا علام.
وحاول بعض المقربين من وزراء الزناتي تهوين الأمر: العلام في أي حال ابن شقيقتك ومن لحمك ودمك.
هنا استدار الزناتي وقد أصبح أكبر غضبا وهياجا رافضا هذا المنطق مشيرا بأطراف حربته المتعددة الرءوس إلى ذراع قائلا: إنه لن يتوانى عن قطعها - أي ذراعه - إذا توانت أو تراخت عن أمن تونس وقلاعها الحصينة، ثم أردف يقول: نخلة بلا طرح لها عندي دواء ... هو المنشاط.
وقبل أن يعود الزناتي إلى الجلوس على كرسيه متعاليا كالطاووس، أشار على مستشاريه وأعوانه بضرورة استدعاء العلام فورا أينما كان ومن تحت أي سماء: الليلة.