وحين عرضوه على كبير الدلالين أشار مبهورا إلى تعذر بيعه سوى لابنة سلطان تونس الأميرة عزيزة!
هنا ألجم يونس نفسه عن النطق والكلام أمام الدلال الحصيف، سوى مجرد تبادل النظرات العجلى مع أبي زيد مرة ومع مي مرة ثانية غير مصدق: عزيزة!
حتى إذا ما أعاد الدلال تأكيد وجهة نظره لوفد الشعراء الجوالين الأغراب، متصورا أن ما اعتراهم من تغيير قد يكون مبعثه شكوكهم في نواياه وذمته، واصل كلامه مؤكدا: أجل الأميرة عزيزة، فهي وحدها التي تهيم حبا في اقتناء الأشياء الجميلة النادرة، وتدفع فيها الأثمان المرتفعة، بل هي تسافر في أثرها الشهور الطويلة لتقتنيها داخل مقرها المنعزل شمال قرطاج.
وعندما أعاد يونس التساؤل الصامت بعينيه مع أبي زيد، أيقن الدلال اليهودي من توجس أولئك الأغراب، الذين يبدو من هيئتهم أنهم من دراويش المشرق القحطانيين وأنه بسبب توجسهم هذا سيفقد «سمسرته» وصيده الثمين للغاية من كلا جانبي أو طرفي هذه الصفقة النادرة ندرة العقد الباهر العميق الأخضر، الذي صيغ من نادر أحجار الزمرد.
فاندفع من فوره مقدما لهم أقداح القهوة السوداء والحلوى والشاي الأخضر المنعنع شارحا الأمر: ليس هناك من معضلة، فقصر العزيزة على مبعدة فراسخ إلى الشرق.
ثم شرح لهم كيف أنها أرفع زبائنه شأنا وعطاء؛ لذا فلا بأس من التوجه بمصاحبتكم حالما ينتهي من إغلاق حانوته، وصرف زبائنه وعماله.
واعترت يونس رعدة مشابهة لتلك التي سبق لأبي زيد معاناتها لحظة لقائه بالعالية بنت جابر وتمكن يونس من تحسسها من بعيد، فتناول من فوره عقد الزمرد من يد الدلال المتكفئ المتوقد حماسا وحركة لمصاحبتهم فورا إلى مقر عزيزة قائلا: نذهب حالا، ولا داعي للتأجيل.
ثم غمغم لنفسه: عزيزة! أين أنا الآن في هذه الأسمال البالية من الخيش والأصباغ التي تغطي وجهي من الأميرة عزيزة؟
واصل الدلال عملية إقناعه لأبي زيد باعتباره كبيرهم الذي أشار بغلق حانوته والاتجاه معهم إلى قصر العزيزة: على خيرة الله.
وحين عاد يونس إلى تبادل النظرات مع أبي زيد، ضحك الأخير في خبث مغمغما في أذنه مذكرا بحكايته القديمة: أتخاف امرأة يا يونس؟
هنا انتفض يونس، دافعا عنه اضطرابه متحسسا في جيبه حبات العقد: ماذا تقصد؟! - أقصد عزيزة يا يونس.
أشار يونس كمن ينبه أبا زيد إلى ملابسه: أهكذا نتوجه إلى الأميرة عزيزة؟ - ولم لا؟!
ساعتها كان الدلال اليهودي المتوقد الذهن والحركة قد انتهى من صرف بقية زبائنه وعماله، وعينه لا تغفل عن يونس وعقد الزمرد الذي في حوزته وقاربهم منشرحا مهونا الأمر. أمر أحد مساعديه بإعداد عربته المطهمة التي تجرها الجياد قائلا وهو يأخذ بيد يونس الشارد بذهنه غير المصدق لما يحدث ويجري: خلاص، انتهينا، هلموا إلى قصر الأميرة عزيزة.
كان الحاكم الفعلي لتونس وتخومها العلام بن هضيبة قد وصل به القنوط واليأس إلى أقصى مداه، فتشابكت البلايا دفعة واحدة ومن جهات عدة لتحط على كاهله المثقل بواجبات حماية الأمن الداخلي لتونس وحكامها وشعبها.
وقد زاد الطين بلة أنه أوصل علاقته بابنة خاله عزيزة ابنة سلطان تونس المسجى مريضا معبد بن باديس إلى نقطة التوتر واللارجوع رغم حبه الجارف لها منذ الصغر، وكان يعزز من هذا الحب رغبته العارمة في الاستحواذ على تونس بكاملها من خلالها، فتدين له قلاعها والدنيا بأسرها من بعدها.
بل إن ما حدث بينه وبين العزيزة من تطاحن وحزازات في الأشهر الأخيرة وصلت ذروتها حين استعانت هي في كشف ألاعيبه وأحابيله التي أصبح لا يكف يوما عن نسج خيوطها بخبرة وحنكة ضدها، في محاولة يائسة للتقرب منها ولفت عينيها الباهرتين إليه يوما أو لحظة.
فهو العلام الذي تدين له تونس من كبيرها لصغيرها، راضخة عند قدميه فيما عداها؛ عزيزة، فكان مثل هذا الإحساس الدفين يعتمل داخله طاحنا مقوضا لكل خطواته ومسئولياته الجسيمة، ويدفع به دفعا إلى المحاولات إثر المحاولات للإتيان بأفعال كبيرة لافتة لكل عيان، تتيح له أن يحقق أقصى درجات الشهرة وذيوع الصيت والفروسية.