يا لها من كارثة! سيلاحقه الزناتي مدى العمر خاصة في مثل هذا اليوم المشئوم المصادف حلول العيد الكبير، أو عيد اللحم والضأن: تتسلل عيون بني هلال إلى بوابات تونس - قرطاج - وتدخلها عنوة، إلى هذا الحد؟!
كان أبو زيد وفتيانه الثلاثة يونس ومرعي ويحيى وبصحبتهم «مي الحزينة» قد وصلوا إلى ديار تونس، حيث دخلوها من بواباتها الشرقية التي فتحت منذ الصباح الباكر على مصراعيها للزائرين والغرباء، الذين تجمعت وفودهم على طول السهول الخارجية المحيطة التي لا يحدها البصر.
وفود من أعراب وبدو وشوام ومصريين ويونانيين وإيجيين وقبارصة بانتظار تلك اللحظة التي امتدت أياما بحالها قبل أن ينطق الأمير العلام بكلماته التقليدية: افتحوا البوابة الشرقية.
هكذا انسل أبو زيد والهلالية داخلين متسللين بعدما تعرضوا لأسئلة واستجواب طوابير طويلة ومختلفة من مختلف الرتب من عسس تونس الذين كانوا يسألونهم: من أنتم؟
نطق بها أبو زيد وأعاد نطقها على الربابة بمختلف تنويعاتها للحرس وأتباعهم وبصاصيهم والزوار الغرباء، فتجمهر الجميع من حوله وهو يقفز ويعزف إلى أن تدخل كبير الحرس، وكان مشرفا عليهم كأبي القمصان، مشيرا بكرباجه لإيقاف مهزلة أولئك الحوش قائلا: أنا لا أحب الموسيقى والدوشة ...
إلا أن أبا زيد واصل عزفه وقفزه الهزلي مادحا:
ها نحن قد جئنا ديار تونس
ولم يعد علينا عتايب
يلا يا أجاويد الديار
هاتو الزكايب.
هنا هاج رئيس الحرس المتغطرس ذو الكرش الكبير صائحا: اتركوا هذا العبد الأغبر، دعوه.
وهنا اندفع أبو زيد داخلا من فوره قفزا إلى أن تخطى طوابير الزحام من حوله وأمامه، إلى ساحات تونس المزدانة عن آخرها بالرايات والمعلقات والزينات الملونة؛ احتفالا بعيد اللحم الكبير الذي اجتذب الآلاف المؤلفة من التونسيين وأتباعهم والزوار والغرباء من كل صوب وحدب.
إلى أن توقف أبو زيد مترصدا الباقين، الذين لم يطل بهم الأمر حين حذوا حذوه كفنانين شعبيين مشعوذين على باب الله: على باب المولى تمدح الأجاويد.
فما إن امتدت أيديهم إلى آلاتهم الموسيقية في صخب حتى هاج أكثر رئيس الحرس، مشيرا إليهم بالدخول: أوباش، صعاليك!
إلى أن اجتمع شملهم فغطسوا تماما وسط أسواق وأزقة تونس المزدحمة بالأجساد والاحتفالات الماجنة وروائح الشواء ومختلف الأطعمة والسلع، حتى أصبح من الصعب العسير اقتفاء آثارهم داخل بوابات قرطاج.
فاجتمع أبو زيد بعيونه وبصاصيه وتدبروا أمر معيشتهم مقدمين أشعارهم وغناءهم ومدائحهم وموشحات «مي الحزينة» داخل أحياء وأسواق ومشاري شاي قرطاج المزدهرة.
ترددوا على الموائد والاحتفالات الشعبية، وزاروا «سوسة» و«قابس» والقيروان، حتى عرفوا وانتشر صيتهم بين الناس، وخاصة موشحات مي الحزينة وصوتها وعزفها الماهر، الذي أطرب جماهير مستمعيها من السمار الشعبيين في المدن وما يتاخمها من ضياع وقصور ودساكر.
كل هذا وأبو زيد لا يغفل لحظة عن المهمة الأساسية التي دفعت بهم إلى داخل بوابات قرطاج وتخومها وقلاعها وحامياتها.
فكان يتحين لحظات تدوين ما تجمع لديه من أخبار وملاحظات ليرسلها - كما يحلو له أن يتندر مع يونس: برا أو بحرا أو جوا (عن طريق الحمام الزاجل).
لتصل طبعا في مواعيدها إلى أسماع السلطان الهلالي والجازية وقطب التحالف الهلالي لعرب الجنوب اليمنيين دياب بن غانم، وحاكم العراق الخفاجا عامر، ووالد زوجته الأمير جابر والقاضي بدير، ودون إغفال بالطبع لزوجته العالية في نجد.
وكانت العالية من حدة تحمل مشاق انتظارها لأبي زيد «تنتزع» ريش طيور البيت من دجاج وإوز عن أجسادها، وهي تخفي في صعوبة ما يعتمل في أعماقها من سياط ولهب الانتظار والبعد واللوعة.
وحين طال بهم الطواف داخل الديار التونسية وضاقت بهم الأحوال أخرج يونس «فرعا كان قد توارثه لعقد من الجوهر الثمين» من جدته الشماء ليبيعوه لأثرياء المدينة.