تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حينذاك استحال لون أبي زيد الأبنوسي الأسود إلى اكفهرار أصفر يقارب شحوب الموت ذاته، وهو يمد لها يده مصافحا مساعدا: أهلا وسهلا.

ولم يعرف كيف يكمل جملته هذه مرحبا بها حول سلامة الرحلة من وادي الحجاز وما تنطوي عليه من مخاطر حتى الوصول إلى نجد.

ذلك أن العالية سلطت عليه وهو ينزوي خجلا أهدابا مسلطة كمشرطي حربة همجية لها وقع أكثر من أربعة وعشرين نصل حسام بينما السلطان حسن ينطق باسمه معرفا ومقدما: بركات، الأمير أبو زيد الهلالي.

ليته لم ينطق باسمه أمامها! ساعتها لم يكن حدث ما حدث لأبي زيد الذي تراجع من فوره متقهقرا إلى الخلف كما لو كان ينادي، أو يبحث بعينيه عن شيء وليكن مجرد غطاء خباء يستر به نفسه وهو في مواجهتها.

إلى أن آثر الاختفاء عن عينها بالهرب من واجبات العزاء واستقبال الضيوف والوافدين من ملوك وأمراء وحكام وشيوخ قبائل وقادتها، جميعهم قدموا بوفدهم معزين في موت الأميرة الأم الشماء، ثم للاجتماع به لاستطلاع الرأي وتكامل المشورة.

إلى أن عثر عليه يونس في أقصى أقاصي خلواته المهجورة التي يعرف يونس دون غيره أنه لم يزرها ويطأها منذ زمن بعيد.

لحين ظروف زواجه من العالية الذي أراده هو أن يبدو في العلن كزواج تحالف لتوثيق الروابط السياسية، خلال لقاءات جمع الشمل بين فيالق الهلاليين، الذين طال بهم الاسترخاء وانتكاس السلاح أثناء شعائر موت الشماء قائدة التحالف الهلالي الذي امتد أربعين يوما وليلة.

لحين رحيل أبي زيد عن العالية وحط رحاله هنا على بوابات تونس قرطاج يغالبه الحنين إلى العالية زوجته وحبيبته.

تنهد أبو زيد وهو يسابق ريح الصحراء معتليا صهوة فرسته الشهباء، مغالبا ذلك الحنين الجارف للعالية والأهل الذي حط عليه فجأة وهو يصل بريادته على رأس الفرسان الأمراء الثلاثة إلى تخوم بوابات قرطاج الشاهقة الارتفاع المحكمة الإغلاق في وجه الغرباء ومن أين جاءوا.

هب العلام بن هضيبة عن كرسيه المذهب مأخوذا منتبها كأنما يطرد بحركة رأسه غبارا عن أذنيه وهو يسمع من أحد أتباعه المقربين عن أنباء تسلل الهلالية إلى قرطاج: كيف؟! - يصطحبون معهم مغنية هلالية شهيرة جاءوا بها من حلب إلى هنا.

واصل العلام تقدمه باتجاه محدثه مواجها وهو يسلط حدقتي عينيه في عيني محدثه: أين؟

تراجع تابعه، وكان فتى منتصب القامة بيده بضعة مدونات وتقارير يقرأ عليه منها بحذر دقيق.

وبدا العلام كما لو كان يكلم نفسه: ديار تونس يا علام!

ثم مضى من فوره مواصلا تقدمه باتجاه رسوله المتقهقر الذي لم يكن يتصور للحظة أن خبرا كهذا يمكن أن يصدم الأمير العلام إلى هذا الحد الذي يقلب فيه كيانه رأسا على عقب.

وضاعف من رهبة الرسول أيضا ما أعاد نطقه العلام لنفسه في غيظ أقرب إلى الألم: ديار تونس يا علام ... ه ... هكذا أصبحت تونس وديارها مباحة لعرب المشرق! وعلى حين غرة علا هياجه شاهرا كرباجه ملوحا في وجهه: ما أريده الآن التفاصيل كلها.

ثم واصل هياجه وصراخه قائلا: ديار تونس! أنا من يقال له مثل هذا اللغو يوما؟

واندفع مشهرا ذراعه كلها على شبه خارطة مجسمة تملأ سطحا رخاميا بأكمله يشكل أرضية إحدى غرف قصره، وتبين الخارطة هذه تونس كلها بمعالمها من سهول خضراء يانعة العشب وأنهار ووديان وبحر ضارب إلى الزرقة.

ومضى العلام مشيرا بكرباجه وذراعه كلها للجميع، إلى ديار تونس وتخومها السبعة وقلاعها الأربع عشرة، في غضب شمل نائبه وتابعه وثلاثة من حجابه وحارسه الخاص، «عين» للزناتي خليفة مسلطة عليه يعرفها كما يعرف نفسه، وهي أكثر ما يخشاه في مثل هذا الموقف الذي تضمنه هذا التقرير المفاجئ حول كارثة وصول «عيون» الهلالية إلى تونس، كيف أن لا أحد من رجاله وفيالقه وعسسه وبصاصيه يعلم بهذا الأمر الخطير؟! حتى العلام هو نفسه المفروض أن يكون أول العارفين كان لا يعلم شيئا.

عزيزة ويونس · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٢٧