تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين اختلت به وببقية الأمراء الهلاليين بهرها حسن يونس واعتداده وفروسيته حتى وهو تحت أصباغه ومساحيقه وهلاهيله البالية، فرحبت بهم وأدخلتهم خلسة إلى سيدتها التي حكت لهم دامعة العينين مأزقها مع وزيرها ومملوكها الجشع «الهصيص» الذي استبد بحقوقها مستغلا كونها فتاة مسكينة لا نصير لها.

ووعدها أبو زيد مطمئنا بمناصرتها وإرجاع حقها، على أن تترك لهم مي الحزينة لترافقهم كمغنية عبر رحلتهم ومخاطرهم إلى تونس والمغرب.

ودفعت تلك الواقعة وتعهد أبي زيد للأميرة المنكوبة إلى المكوث بضعة أسابيع في حلب بانتظار لحظة تحين الانتقام لشاه الريم من الهصيص المتسلط حاكم حلب.

إلى أن حانت - حسب نص السيرة - ليلة زواجه القسري من شاه الريم وتسللهم بعد خداع الحرس إلى عرسه الماجن، لحين تحينهم للحظة غفلته، فقطعوا رأسه وهو مخمور وعادوا به إلى الأميرة الصغيرة الجميلة، التي لها كامل الحق في حكم حلب الشهباء وتخومها.

وأعجبت هي بشجاعة الهلاليين وأغدقت عليهم ثمين الهدايا، ووعدت بمناصرتهم دوما اعترافا لهم بمعروفهم، وسمحت لهم باصطحاب صديقتها المقربة «مي»، التي فرحت كثيرا باصطحابهم مودعة أميرتها باكية من رهبة الفراق.

وبعد ذلك اتخذ أبو زيد ورفاقه من شباب الأمراء ومعهم مي الحزينة طريقهم إلى تونس وبواباتها السبع.

وهناك أقاموا مضربهم بوادي الغباين المزدهر البهيج المتاخم لأحد مداخل أو بوابات قرطاج الشهيرة أياما، لتحين فرصة الانفلات والتسلل إلى داخل تونس وتحقيق مأربهم العاجل الذي تنتظره جموع الهلاليين ببالغ الصبر والثقة.

فكانوا يقدمون عروضهم وأغانيهم وأهازيجهم ليلا التي شاركت فيها مي بصوتها العذب الرخيم، الذي اجتذب حراس البوابات والمفوضين على الداخلين إليها من زائرين أجانب.

ولم تكن مي الحزينة أقل حماسا ولا إقداما بالنسبة إلى الريادة ومخاطرها، وهي التي قبلت عن طيب خاطر اصطحابهم: فأنا مثلكم هلالية.

وهكذا وثق بها أبو زيد ويونس خاصة، الذي بهرها حقا مدى فروسيته واعتداده وإقدامه وكل ما ينبض فيه من تواجد أو حضور وإيقاع متناسق: زينة الشباب.

إلا أن الانتظار الذي طال أمده على بوابات تونس لم ينس أبا زيد لحظة مهامه من حيث الإلمام به، كأمن كل مناطق القوة أو الضعف على طول القلاع الأربع عشرة التي تتبع سلطنة تونس وقرطاج.

فكان يتغيب عن الباقين أياما، يمضيها عدوا بفرسته الشهباء، مواصلا تجميع معلوماته باثا عيونه مرسلا رسائله بالحمام الزاجل التي كان يحسن تدريبها واستخدامها في أحلك المآزق وأكثرها تطلبا للسرعة والملاحة، فهو كما يقول عن نفسه: عين هنا، والثانية على نجد والأهل.

حتى زوجته العالية بنت جابر، والتي أجهضت هذه الرحلة زواجه منها، ولم يكن يبخل عليها بخطاباته التي عادة ما تتجمع كلها لتحط كمثل وفد من الحمائم على كتفي ورأس عياره وتابعه أبي القمصان أينما كان في خلوته: حمام الحبايب.

هنا كانت أهمية أبي القمصان تتزايد في نظر نفسه ليروح معلنا للسلطان حسن والجازية والعالية زوجة أبي زيد التي كانت تنتظر على أحر من الجمر وصول الرسائل: وصلت المكاتيب.

وهو تعبير أعطاه أبو القمصان أهمية خاصة؛ نظرا إلى الكيفية التي يعلن بها عنه، سواء للجازية أو الأميرة العالية، إذ تنشق الأرض فجأة عن أبي القمصان متشحا بزيه الرسمي، كجندي منح نفسه ذات يوم لقب فارس والذي تطور معه مع مرور الزمن إلى لقب أبي الفوارس.

ففي العادة يقف أبو القمصان فجأة أقرب إلى منطقة الرأس من «ضحاياه»، معلنا بصوته المختنق المتعدد النبرات، داقا الأرض بعصاه أو كعب رمحه، الذي عادة ما ينتهي بشارة الهلاليين الخضراء يتوسطها هلال أبيض صريح، معلنا كمثل منادي قرية أو نجع: الحين وصلت الرسائل.

أما في حالة العالية زوجة أبي زيد، فقد أفرط زوجها الغائب في الكتابة لها مطولا، خاصة بسبب ظروف عشقه الجارف لها منذ أول لقاء تصافحا فيه، حين قدمها له السلطان حسن خلال عزاء الشماء وهو يأخذ بيدها البضة الدافئة نازلة عن هودجها المطرز برقائق الذهب البخاري الأحمر: الأميرة العالية بنت جابر.

عزيزة ويونس · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٢٦