تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووصل اندهاش الفتيان الهلاليين مداه وهم في شبه إغفاءة قبل استئناف المسير مع الفجر الذي بدت بوادر إشراقه على السفوح والتلال المحيطة، حين ذكر أبو القمصان لأبي زيد عنوان تلك المغنية الهلالية «مي»: ثمانية غرب حلب الشهباء.

ومرة أخرى وصل تطاول أبي القمصان إلى حد الصعود على سطح البناية مصدرا تعليماته حالما امتطى أبو زيد والشباب جيادهم تمهيدا لبدء رحلتهم بأحمالهم: وحذار من حسان وجميلات تونس وعزيزة.

ضحكوا طويلا وأبو زيد ما زال يراقبه في تجبره وزيه المضحك، ويدعوهم صارخا بأعلى صوته: اذهبوا بلا رجعة!

وغابوا في أثر أبي زيد متوجهين نحو الصحارى والقفار والسهول وأعالي الجبال وشعابها حيث قضوا فيها أياما، يقدمون فنونهم ويمتدحون الأجاويد إلى أن شارفوا تلال حلب الشهباء والتي منها اقتنى أبو زيد الهلالي فرسته - الشهباء الشهيرة - فهمسوا قائلين: حلب الشهباء!

| سكك أبي زيد

يعرف أبو زيد الهلالي المدن والأمكنة والمسالك كما تعرف هي - أي المدن - مآثر ومأثورات «نصير المساكين» أبي زيد ذاته.

ومنذ خروجه من نجد وعروجه إلى خلوته التنكرية التي مارس فيها تابعه وعياره العجوز أبو القمصان طغيانه على الفرسان الثلاثة منكلا ومعلما، لحين طوافه على أطراف جنوب الجزيرة الساحلية إلى عدن وحضرموت والبحرين، ثم قدومه إلى بلاد السرو وعبادة بوادي الأردن وفلسطين التي كان يحكمها السركسي بن قارب صاحب الجيوش والمواكب والحشود الهائلة المعاربة، والتي أثارت تحفظات أبي زيد ويونس حتى إن أبا زيد بعث من فوره إلى قومه الهلاليين مخبرا منشدا:

أيا عطور الجيد إن السركسي

يشبه الذئب قد حظي بغنائم

هذا السركسي ما أحد يصادمه

إذا قام في ظهر الحصان يلاطم.

وكتب للسلطان حسن بن سرحان مشيرا إلى سطوة حاكم القدس وغزة:

السركسي ما رأيت مثله فارس.

يفتح - يا أبا علي - على الحروب أبواب.

وما توصلوا إلى غايتهم حتى واصلوا سيرهم إلى دمشق التي كان يحكمها «شبيب التبعي» المسمى بالتبع شبيب بن مالك، ووزيره الحكيم المدعو «عميرة».

وكان ذلك التبع المتجبر يتسمى بشاحب العمود، ونجح أبو زيد والفرسان في الوصول قريبا من قصره ومدحه هو وزوجته «جنوب» في قصيدة.

وكالعادة ما إن يحط أبو زيد ورفاقه رحالهم بمدينة أبي نجع، حتى يمضي من فوره إلى الاجتماع بعيونه وعياريه الهلاليين، يصل إليهم أينما كانوا، تقلبت بهم حروفهم وماوريهم وحركاتهم وهجراتهم، وكأنه يتشمم مترصدا خطاهم.

إلى أن حطوا رحالهم على مشارف حلب الشهباء ذات مساء مكتمل القمر، ومن فوره أخرج أبو زيد عناوينه، ومنها عنوان المغنية الهلالية «مي»، حسب ما ذكره له أبو القمصان ووصاياه «الموحلة بالطين» كما كان يدعوها أبو زيد متندرا.

وكما لو أن الجارية الهلالية الحسنة الصوت والمحيا «مي» على موعد مع وصولهم؛ ذلك أن أبا زيد التقى بها من فوره ومنذ الأمسية الأولى التي حطت فيها قدماه أرض حلب الشهباء بقلاعها وساحاتها ومبانيها القوسية الحانية وموسيقاها الشجية ذات الألحان المعروفة وأسواقها المسقوفة وحواريها وحاراتها المرصوفة والحجارة ووراق بساتينها وسهراتها وغيطانها ذات الهواء العليل.

فما إن قاربوا قصر الأميرة «شاه الريم» الحصين الوافر الجنان، والتي تعمل عندها «مي» كأقرب جواريها، منشدين رافعين عقيرتهم بالغناء على أحوالهم، حتى جرت من فورها مشيرة إلى سيدتها التي كانت تعاني حصارا ضاريا من جانب وزيرها المقرب الوصي على عرشها، والذي كان يتهددها ليل نهار بالزواج منها عن رضا أو رغما عنها؛ لاغتصاب سلطتها دون أدنى شفقة.

جرت مي فرحة مستبشرة إلى سيدتها شاه الريم مؤكدة وهي تنصت إلى غنائهم كما لو كانت تحل رموز كلماتهم الملغزة: خالي أبو زيد، جانا مفرج الكربات.

عزيزة ويونس · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٢٥