هنا صفر أبو القمصان في تعال كمن يصدر أوامره: اخلعوا ملابسكم جميعا!
صفر ثانية: ملط زلط!
وحين أغرقوا في الضحك غير مصدقين من كيفية تحول أبي القمصان فجأة إلى ليث وهو يواجههم، قال أبو زيد محذرا قليلا: كله إلا الضحك يا شباب!
تساءل الأمير الأصغر يحيى: كيف؟ إن ما يحدث هنا يضحك حتى الحجر!
مضى أبو القمصان متصنعا في تعاليه مهددا: هذا الحجر يضحك إلا أنتم، ممنوع!
وعاد مواصلا تعاليه مختطفا كرباجا أسود: الحجر، والحجر الصوان!
عانى الأمراء الثلاثة طويلا لكتم ضحكاتهم من غرابة أطوار تلك الخلوة وحارسها أبي القمصان وانفلاته تماما على هذا النحو أمام الجميع.
كل هذا وأبو زيد منشغل عنهم لا يضيع لحظة في إعداد «خرجه» الشهير ومحتوياته الغريبة، ما بين عناصر ومواد كيمائية كالزئبق وحجر المغناطيس وشمعة التنويم «البنج» والدخان المحبوس، ومجموعة لا بأس بها من مختلف الأعشاب والعطور والبخور، منها ما هو مركب ومنها ما يضحك ويرخي المفاصل ويدفع إلى الهياج أو إلى أقصى درجات النوم أياما بطولها.
وفجأة قطع الصمت صوت أبي القمصان المدوي الآمر حتى لأبي زيد: لا تنس الكوابيس!
عاد يؤكد مشيرا إلى صندوقه: أقصد بخور الكوابيس يا بركات.
هنا اندفع أبو زيد ممتنا إلى أبي القمصان الذي بدا كما لو كان يقرأ أفكاره حين عاد مذكرا: والزي الآخر.
ومن فوره اندفع أبو زيد مغيرا هيئته أمام مرآة هائلة متنكرا بزي شاعر جوال، وأبو القمصان يضع له لمساته الأخيرة مقدما إليه الربابة: هكذا تصبح فعلا في أرذل العمر، شاعرا عجوزا مجربا تماما!
ثم ناول أبو زيد يونس والبقية أزياءهم، وأبو القمصان لا يكف عن وضع لمساته الأخيرة، ما بين أسلحة محددة تخفى تحت الأردية البالية المزرية، بالإضافة إلى أشياء ومواد مختلفة تخبأ هنا وهناك.
منها ما يخفى في الجيوب والشقوق المتعددة المسارب أو داخل آلات عزفهم، إلى أن تغيرت هيئاتهم وشعورهم ووجوههم وأيديهم رأسا على عقب. كل هذا وأبو القمصان لا يكف عن هزله وتشفيه الخفى! - أريد منك أن تعرج أكثر.
ويمضي مقلدا مشية الأعرج وغدوه وهرولته وجريه متراقصا ومعبرا ومتهكما أيضا، حتى إذا ما ضحكوا باستثناء أبي زيد صب جام غضبه على رءوسهم الواحد تلو الآخر بغطرسة هي ذاتها التي تضحك من لا يضحك: إلا الضحك يا شعراء الغبراء!
ثم عاد أبو القمصان يهدد: من يضحك ضاع!
مؤكدا: وقد لا ترجعون! ومن يعرف فقد تعودون أدراجكم إلى نجد أيضا وأنتم تعرجون وكلما حاول أحدكم الوقوف وقع.
وطالت فترة تدريب الفرسان الثلاثة التي ترك أبو زيد مهامها لمعلمه - كما يدعي - أبي القمصان أفضل عياري عصره، قائلا في نفسه مغالبا بدوره ضحكة إلى حد انحباس أنفاسه: أعطنا فرصة يا أبا القمصان!
كان أبو زيد يعرف في أبي القمصان تعطشه الجنوني إلى حد الإغراق للعظمة والسلطة والتسلط، وها هي الفرصة قد حانت وسنحت وخلا الجو لأبي القمصان ليفرح ...
وقطع صوت أبي القمصان مزمجرا حبل أفكار وتداعيات أبي زيد: من يضحك مكانه غياهب السجون وزنزاناتها، وقد تكون بأرض الشام وبلاد السرو وغياهب سجون صعيد مصر.
ومضى كمن يخطب مشرفا من أعلى درجات سلالمه - التي فيها قتل الزير سالم ودفن بالعرابة المدفونة - مشيرا بعظمة: لا تنسوا زيارتها.
إلى أن جاءت «بروفات» الإيماء والتمثيل والتقمص والغناء و«الحدى» والإنشاد الجماعي والعزف الموسيقي، التي تناولها أبو القمصان كلها معدلا هنا وهناك إلى أن هب فجأة مصرحا: ناقصكم من يرقص!
وضحك الجميع حتى أبو زيد الذي استلقى على قفاه مرحا مسترخيا كعادته حين يضحك حقا وليس زيفا وتقمصا من أعماقه: كملت يا أبا القمصان؟
واصل أبو القمصان ملاحظاته مصرا: غازية!
قارب أبو زيد مسرا في أذنه مسرعا كما لو كان يملي شفرة سرية، سمع منها الفتيان بضع كلمات متناثرة منها: «مي» الحزينة الهلالية والأميرة الأعجمية «شاه الريم»، وكيف أن «مي» هذه ابنة الأمير «مفرج» الهلالي، تعمل عند شاه الريم كمغنيتها الأثيرة التي عمت شهرتها كل مكان.