تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى إنها استدارت لاكزة الأمير عبد الوهاب غير مصدقة، الذي كان بدوره قد استسلم للإغفاء تعبا، لكن ما إن فتح عينيه حتى تلاقت مع عيني البطال الفاحصتين وهو لا يصدق ما يحدث، إلى أن جاءهما صوت البطال جادا هذه المرة: صدقتوا ... جالكم كلامي.

تنهدت ذات الهمة غير مصدقة فعلا ويد البطال تلامسها في حنو أم، وهو يعمل باستخدام أدواته الغريبة التي عرفت عنه، ما بين أحجار المغناطيس والشموع المختلفة التأثير، منها ما يسقط فرائسه من فورها في أقصى حالات النوم والغطيط المعجل، ومنها ما يذهب بالعقل، فتبدو الفريسة - سواء أكانت سجانا أم حارسا - وكأنها مهيضة معدومة الإرادة، ومنها ما يدفع إلى الضحك إلى حد وجع البطن، بل والبدن بكامله.

وما إن انتهى البطال في لمح البصر من فك وثاق ذات الهمة، حتى هبت من فورها مستلة أحد سيوف البطال، الذي مضى من فوره معالجا فك قيود الأمير عبد الوهاب وهو يضحك هذه المرة من أعماقه عاليا، حتى إن الأمير عبد الوهاب عاجله حانقا: يا أخي ... هل هذا وقت ضحك ومسخرة.

فأجابه البطال أكثر ضحكا وتهكما: ومتى يكون وقت الضحك والمسخرة إذن إن لم يكن الآن؟

ومن جديد دوت ضحكاته مجلجلة هذه المرة، حتى إن ذات الهمة كتمت فمه بكف يدها: هس ... اخرس يا بطال. - هس! كله نايم هنا لتاني يوم ... في سجن قصر الخليفة لا أحد يقظ هذه الليلة الليلاء سوانا!

تسللا خلف البطال الذي كان يشير بشمعته المشعلة إلى أكوام الحراس المكومين النائمين في استرخاء، في أقصى غطيطهم وأحلامهم الكابوسية، منهم من يضحك ويهرش ويصرخ فزعا بينما البطال يطوف بهم مداعبا وهو يتحسس أقفيتهم: يصحون - بإذن الله - على خير ... بعد بكرة العشاء. وهذا على أحسن تقدير.

ولم تتمالك ذات الهمة نفسها من الضحك وهما يدوران حول البطال من سلم حجري حلزوني دائري لآخر، والبطال يعلق: في سابع أرض ... ولسه بعد.

وغلب ذات الهمة التفكير حقا في البطال وأفعاله؛ كيف جد السير في أعقابهما إلى بغداد دون أن يعرفا، وعلم بما حدث ومكانهما، فنزل إليهما إلى مطمورتهما سرا على هذا النحو: عجائب!

وأخبرهما البطال بخطته لتهريبهما والعودة إلى بلاد الأعداء معلقا: أرحم من سابع أرض!

وكيف أنه قبل أن يحضر إليهما زار صديقهم وحليفهم الوزير الأول جعفر بن يحيى البرمكي، الذي تركه آسفا لأداء مهمته لإنقاذهما، متخذا طريقه من فوره إلى مقابلة الرشيد، برغم تعاظم الجفوة بينهما في الأيام الأخيرة إلى حد محاولة جعفر والبرامكة الرحيل هروبا عن بغداد وغضبة الرشيد، خاصة بعد أن لفق له الوزير القاضي عقبة والفضل بن الربيع تهمة التآمر على هارون الرشيد ذاته: اعلم يا مولاي أن رجلا من أولاد الحسين يقال له الحسن، بايعه جعفر بالخلافة ... احذر البرامكة.

حتى إذا ما حل جعفر بن يحيى البرمكي، مخاطرا بحياته من أجل الأمير عبد الوهاب وأمه للإفراج الفوري عنهما، واستقبله الرشيد، اندفع من فوره يطالب بالإفراج العاجل عنهما، معليا من شأن عبد الوهاب وبطولاته وخوارقه إلى حد دفع بالرشيد إلى الغضب والهياج، فقال له: اعلم يا مولاي أن جيشك ألف وثمانمائة ألف، لكن ليس فيه من يطاول عبد الوهاب.

فأمر الخليفة بالقبض عليه وتعذيبه مهددا: لا بد من صلبك يوما وصلب البرامكة.

وهو ما تحقق، خاصة حين علم الرشيد بحدث تهريب عبد الوهاب وذات الهمة من سجنهما بمساعدة أبي محمد البطال، الذي قدم إلى عاصمة الخلافة بسطوته وعيونه وعياريه دون علم منه، وهو الذي رفض المثول بين يديه في السابق ثلاث مرات والرشيد بنفسه يطالبه فيها بالقدوم إلى العراق، فركب رأسه رفضا لمطلب الخليفة.

بل وتصل به الجرأة والتحدي إلى حد المجيء إلى عاصمة الخلافة، ودخولها بحيله وألاعيبه، والوصول إلى مطمور السجن الملحق بقصره الحاكم؛ حيث حبست ذات الهمة وابنها، وإخراجهما جهرا، وتهريبهما والإبحار بهما إلى القسطنطينية، على هذا النحو البعيد عن كل حياء أصبح يتصرف

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٥٨