تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخرج ذات الهمة من هواجسها ضحكات البطال وحلو تعليقاته في الترحيب بها وبحاشيتها، بل وحتى جوادها ذاته وكلابها، التي كانت مثار حفاوة وتعليقات البطال ونكاته ومأثوراته التي لا تنتهي.

وما إن اجتمع الشمل وحاولت ذات الهمة فض رسائل أمير المؤمنين لها قبل تناول العشاء، عاجلها البطال بمحتويات رسائلها، وتفاصيل ما بها ودلالاتها ، وكما لو كان هو بذاته - البطال - كاتبها حرفا بحرف، معلنا: هذا كمين ليس غير؛ عذرا ... أنا لن أذهب. •••

وهكذا استقر رأي ذات الهمة والأمير عبد الوهاب إلى الرحيل العاجل إلى عاصمة الخلافة؛ استجابة لمطلب أمير المؤمنين بأهمية حضور ثلاثتهم العاجل لمقابلته والاجتماع به؛ لبحث الكثير من الأمور التي تستوجب المشورة دون إبطاء.

ولم يتخلف منهم سوى الأمير البطال، الذي أوعز للأمير عبد الوهاب وهو يودعهما على سفينته الخاصة إلى عرض البحر، مشيرا بما يعني: من يدري؟ فقد تتحقق وجهة نظره وتحدث لهما المتاعب التي تستدعي نجدته في الوقت الملائم.

ورمقه الأمير عبد الوهاب مهونا إلى أن الأمر لن يصل إلى هذا الحد من الظلم، إلا أن ذات الهمة

كتمت ما يعتمل داخلها توقيرا لمطلب أمير المؤمنين، مودعة البطال مستبشرة بالبحر الفسيح الهادر، الذي

كثيرا ما كانت تحن إليه مفكرة فيما يعترضها من أمور عضال ... فتهبها أمواجه كل مرفأ آمن.

لكن ما إن وطئت قدماها عاصمة الخلافة - وقد دخلوها سرا ليلا حسب مطلب الرشيد - حتى حاوطتها الهواجس، ودوت في أذنيها كلمات أبي محمد البطال وتحذيراته، حتى إذا ما حان موعد لقاء

الخليفة، وتلاقت عيونهم، عادت فتبادلت النظرات مع ابنها عبد الوهاب: أبو محمد معه كل الحق.

إلا أن هذا الجو المشحون الذي أثارته مؤامرات ودسائس وزراء الرشيد، بدءا من رأس بني سليم والفضل بن الربيع، مرورا بالقاضي ضيق الأفق والمروءة عقبة بن مصعب، ومع غياب الوزير الأول جعفر بن يحيى البرمكي الذي أصبح في السنوات القريبة في موضع المغضوب عليه.

وكل هذا لم يثن ذات الهمة عن إقدامها في مواجهة الخليفة، ومعارضته الرأي في كثير مما طرح بحثه ونقاشه، حتى إذا ما تطرق الأمر حول مروق وعصيان أبي محمد البطال، دافعت ذات الهمة بكل قواها عن الأدوار الهائلة التي لن تنسى، والتي أسداها البطال لجيش الخليفة، والتي لولاها لما تحقق نصر.

إلا أن الخليفة استشاط غضبا من دفاع ذات الهمة وعبد الوهاب، ومن تغيب البطال وكسر أمره بالمجيء ثلاث مرات، قائما محتدما؛ مما دفع بذات الهمة إلى محاولة الانسحاب احتجاجا من حضرة الخليفة، ليرجعها الحجاب عند الباب مهولين مما يحدث في حضرة أمير المؤمنين.

أما عبد الوهاب فرفض أمرا صريحا للخليفة بتعيينه حاكما رسميا على القسطنطينية، في حالة تخليه عن أبي محمد البطال، وتسليمه وجيشه، الذي اعتبره الخليفة مارقا منشقا عنه.

ولما لم يجد هارون الرشيد منفذا أو تقبلا لما استدعاهما من أجله هب في ثورة غضبه، مشيرا إلى حراسه باعتقال الأميرة ذات الهمة والأمير عبد الوهاب على مرأى من جمع شمل وزراءه المتربصين والحاقدين، والمنتظرين على أحر من الجمر لمثل هذه اللحظة المرتقبة، التي يشهدون فيها ذات الهمة وابنها عبد الوهاب وهما يساقان إلى سجن الخليفة هارون الرشيد، بعد أن جردهما الحراس والسيافون من سيوفهما ودروعهما بلا أدنى اختشاء أو رحمة.

| النكبة الدامية للبيت البرمكي

وهبت الأميرة ذات الهمة من إغفاءتها فزعة، وكانت قد تمددت معانية من ثقل سلاسلها وأثقالها الحديدية كمن لدغتها حية رقطاء، باحثة بعينيها وكيانها كله، متطلعة إلى جدران سجنها الجلمودية الصماء، وهنا وهناك جثمت آلات التعذيب الوحشية في برود وانتظار مترقب.

بدت وكأنها سمعت قهقهات أبي محمد البطال اللامبالية وهو ينزل سلالم المطمورة، التي سجنت فيها بأمر الخليفة الثائر مع ابنها عبد الوهاب.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٥٧