أبو محمد البطال، على هذا النحو الذي لا يقيم له اعتبارا.
بل وصل الحنق بالرشيد مداه، حتى أسر «الفضل بن الربيع» في أذنه اليسرى، وفي غفلة عن الوزير الأول - عدوه اللدود - جعفر بن يحيى البرمكي؛ ليزيد النار اشتعالا ضده، دافعا إليه بتقرير مفصل يتضمن زيارة البطال لجعفر بن يحيى البرمكي، واجتماعه به ليلة بكاملها قبل نفاذه إلى سجن ذات الهمة والأمير عبد الوهاب وتهريبهما.
هنا ربط الرشيد من فوره بين نجاح خطة تهريب سجينيه، التي اضطلع بها البطال، وبين اجتماعه بأبي محمد البطال سرا في قصره المنيف المطل على نهر دجلة. - ومن يدري؟ تساءل الرشيد إلى أن واجه جعفر منفعلا وهو يتفرسه طويلا: يبدو أنني أصبحت آخر من يدري يا جعفر! - كيف يا مولاي؟ - أنت أعلم ... والبطال.
هنا تفهم جعفر من فوره هدف الرشيد، وما أسر به إليه للتو الفضل بن الربيع.
وكان الفضل بن الربيع ساعتها واقفا خلف الرشيد مطرقا يلف أصابعه العشرة حول بعضها في خشوعه المتصنع. •••
وهكذا اتهم الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي بالاشتراك في حادث التهريب، والضرب بعرض الحائط بأوامره وغضبه ورغباته.
حتى إذا ما وصل إلى أسماع الرشيد عن طريق عيونه المشرعة على جعفر بن يحيى البرمكي، وعلم أنه بدوره يعد في الخفاء خطة محكمة للهرب والرحيل، هو وأتباعه وبيته، بحجة خروجه للصيد والقنص، بعث في طلبه وقربه إليه وهو يضمه إلى صدره، إلى أن أجلسه معه على كرسي الخلافة وهو يقبله في وجهه وما بين حاجبيه، محاولا أن يثنيه عن السفر غداة اليوم التالي بمختلف الحجج والمغريات.
وكان يوم جمعة حين أرسل الرشيد في طلبه مرتديا بذلة من الحرير «زرد»، وعلى رأسه خوذة فولاذية، وعن يمينه وشماله نحو مائة مملوك من الخواص، ومائة من الأتراك، كلهم بصدور الزرد، وبأيديهم السيوف والعمد، والرشيد جالس على ركبتيه آمرا سيافه مسرور بفرش «قبة الأديم» بالرماد، وحراستها بثلاثمائة غلام من النوبيين والسودانيين بسلاحهم المشهر.
ثم بعث الرشيد بمسرور لإحضار جعفر البرمكي مقسما: «وحق اتصالي بحمزة وعقيل، لئن لم تفعل ما أمرتك به لآخذن روحك من بين جنبيك.»
ولعلها كانت أقسى وأشق مهمة اضطلع بها سياف هارون الرشيد «مسرور»، وهو يتراجع عن الرشيد الغاضب لا يعرف له مهربا من مأزقه وهو يعتلي متن مهرته السوداء ليلا إلى حيث ضياع الوزير جعفر، داقا بواباتها الواحدة تلو الأخرى إلى أن وصل إليه لاهثا في مضجعه؛ لينهي إليه أمر الرشيد بالحضور.
هنا تعرفه جعفر البرمكي وقرأ ما يعتمل داخله محاولا تأجيل الزيارة لمطلع النهار دون خلجة واحدة من عيني مسرور، الذي تهاوى بكامل جثته لا يقوى على مجرد الإجابة بالقبول أو الرفض، حتى إن جعفر بن يحيى البرمكي أكمل ارتداء ملابسه واصطحب مسرورا المكفهر الوجه
إلى حيث «دست» الخلافة.
وكان الرشيد قد أمر سيافه مسرور باستدراجه لجعفر إلى «قبة الأديم» وضرب عنقه، وأن يأتيه برأسه.
وهكذا قاد السياف صديقه إلى القبة المشعلة بآلاف الشموع الموقدة، كما لو كانت شموع العرس الدامي للبرمكي الذي قرأ الشهادة ، وطلب من السياف السماح له بصلاة الوداع داخل القبة المزدانة بالشموع الموقدة التي تحيل ليل ساحة القصر إلى نهار جلي.
وحين انخرط جعفر في صلاته وسجد متضرعا ضربه مسرور فنزع رأسه عن جسده، وحملها إلى الرشيد؛ «فلما رآها صرخ صرخة عظيمة وسقط عليها مغشيا عليه.»
إلى أن علق الرشيد جثته في حراسة أربعة وعشرين عريفا، وأمرهم بقتل كل من بكاه أو رثاه، ونادى المنادي في شوارع بغداد وساحاتها: «كل من رثى جعفر البرمكي بنصف بيت شعر أو بكى عليه لا يشاور عليه ولو كان مهما كان.»
ثم قبض على والده الشيخ يحيى وولده الفضل فحبسهما في أعماق المطمور وقيود الحديد.