ثلاث مرات وعبد الوهاب يرد صك الخليفة، ووفد رسله إلى بغداد بالرفض الحازم في اعتلاء عرش أباطرة الأروام.
هنا تقبلت الأمر أمه ذات الهمة، لكن دون أن يستهويها وتجتذبها مباهجه وتسلطه، كل ما هنالك هو مجرد القبول بالوضع الجديد اسما بأكثر منه فعلا وتجبرا على خلق الله.
وإن بقي الفعل وشئون ما يجري بيد ابنها الأمير عبد الوهاب ومقربيه، أو من اجتذبتهم قدراته وصائب بصيرته ومعرفته فتجمعوا من كل صوب إلى حيث مأواه ومضاربه، حتى أصبحوا كمثل جماعة متناهية التناسق والتنظيم في كل شئون الجهاد والحرب التي ذروتها الشهادة، وأيضا فيما يتصل بتصريف ومسار شئون الدولة الجديدة المترامية الأذرع والأقوام من الإفرنج.
وكذلك فيما يتصل بالتقوى وتحمل الشدائد، والتمسك بأزهى قيم الحياة العربية المتسامية عن كل إغراءات الجشع والاستحواذ والتسلط.
وهو ما رأت فيه ذات الهمة ... حصادها الذي أينع مثمرا من فكرها الذي بدأ معها منذ تكون شبابها في فلسطين ووادي الحجاز. ها هو حصاد سنين الأسر ومشاق رعي الإبل والخيل الوحشي، وخوض رحى المعارك الضارية، والتلفع بالدم المراق قانيا أنهارا ليل نهار.
ومن هنا كانت مآثرها الركون إلى الحياة اليومية، والعودة إلى منابعها في تربية رضيع فطيم، ورعاية طفل مراهق إلى أن يصبح شبلا ومحاربا، لكن دون إغفال العين عما يجري، ويستدعي اليقظة
وإعادة امتشاق السيوف والدروع وخوذات الحرب.
صحيح أن قناعتها برجاحة عقل عبد الوهاب لم يراودها الشك للحظة فيها، إلا أنها ليست بالغافلة، بل هي في نهاية الأمر محط كل قرار مصيري في مواجهة عدو لا يعرف للرحمة معنى، بل وحتى فيما يتصل بشئون الرعية وتصريف الأمور؛ فإن لذات الهمة الرأي الفصل فيها. •••
تساءلت وهي تتحسس مكتوب أمير المؤمنين: أين ذهبا؟
ومن فورها واصلت مسيرتها إلى مضارب الأمير «أبو محمد البطال» دون حاجة للإبطاء، فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل والتراخي.
تحسست رسالة أمير المؤمنين في جعبتها من جديد، مدركة أنها الرسالة الثالثة التي تصلها من الخليفة وتحمل ذات المعنى الآمر الناهي: ماذا جرى؟
في المرتين السابقتين نجح البطال في إثنائها عن رأيها، ووافقه الأمير عبد الوهاب مقتنعا بحجج البطال وبصيرته الثاقبة في مثل هذه الأمور المصيرية، خاصة وعاصمة الخلافة مضطربة بالفتن والمؤامرات التي تنذر بالكثير.
كانت الأخبار تصلها من عاصمة الخلافة في الشهور الأخيرة - تباعا ودون انقطاع - عما يحدث ويجري داخل أروقة الخلافة، فيزيدها الأمر أسفا يصل إلى حد الحنق والغضب، فيما اعترى الخليفة الخامس هارون الرشيد من تحولات؛ نتيجة لسعي وزراء بلاطه المقربين ذوي العقلية القبلية الضيقة التي لا ترى بأبعد من مواطئ القدمين.
فذات الهمة تعرف قبل غيرها أهداف أولئك الوزراء في الاستحواذ على الثراء ومصادر القوة، وإعلاء شئون قبائلهم وعشائرهم وأوطانهم وكياناتهم، دون إعطاء أدنى اعتبار لظروف الحرب التي خفتت نيرانها جهارا، وهو ما لا يمكن أن يحدث في الخفاء من جانب تحالف الأروام الحبالى بالانتقام إن لم يكن اليوم فغدا.
حتى إذا ما عبرت ذات الهمة ساحات مقر قيادة قصر الأمير أبي محمد البطال، تطلعت طويلا في قلاعه وضياعه وتعزيزاته التي لم تشهد لها مثيلا قبل الدلهمة: كل هذا؟!
كان البطال قد وصل إلى أقصى درجات السطوة ومصادر القوة حتى أصبح مضرب الأمثال مشرقا ومغربا ثراء ونفوذا وقوة.
بل إن الخليفة ذاته أصبح يضمر له العداء الدفين المتزايد كلما وصلته سطوته وثروته، التي أحرزها بذكائه المتوقد قبل الأظافر والنواجذ.
وكانت ذات الهمة لا تحسده على ما ارتقى إليه، فالبطال الذي بدأ من قاع صفوف البدو الفلسطينيين معدما، وقدم هذه البلاد طفلا رضيعا بصحبة أبيه، كان على الدوام موضع الإعجاب الفائق من ذات الهمة والأمير عبد الوهاب منذ أن انخرط في صفوفهما مجرد عيار بسيط.