كانت زوجته الثانية الأميرة «علوى» - أخت الخليفة الخامس هارون الرشيد - قد أنجبت له ابنه الأول منها، الذي استبشرت به ذات الهمة وأسمته بمحمد. وكان عبد الوهاب قد تركها حاملا في شهرها الرابع حين عودته بولديه إلى موطنه الحجاز لزيارة الأهل والقبيلة، وتعريف ولديه بمنبتهما؛ لدفن زوجته الحجازية أخت راشد، التي أرقه طويلا الحزن على موتها المفاجئ، وهي التي أمضى معها أعذب الأيام والليالي، وتشاركه أحلامه وآماله في النصر وتحقيق أمن المسلمين، ولم ينس ذروة حنوها عليه الذي أحاطته به عقب مرضه، نتيجة لجراحه التي ألزمته الفراش بضعة شهور بينما المعارك حول القسطنطينية في أوجها.
ومنذ ولادة سيف الإسلام تبنته جدته الأميرة ذات الهمة، بحيث حرصت على تربيته، وإرضاعه كل أفكارها الكبرى في الجهاد وتأمين ثغور وثغرات المسلمين التي منها ينفذ أعداؤها الطامعون.
بل إن ذات الهمة لم تغفل عيناها لومضة عن الخطر المحدق بوصول سفن وبواخر الملك مانويل وجيش الأروام لاسترداد ملكه وعرشه بكل الطرق والمهالك من أيدي العرب؛ فكانت في كل يوم تدخل التحسينات ومختلف التحصينات على خطتها الرباعية، انتظارا لوصول الأعداء واندلاع الحرب التي لا مهرب منها.
حتى إذا ما حط رجال الملك مانويل وجنده؛ استقبلته ذات الهمة وعبد الوهاب بجيشهما إلى حد أن شتتوا فلولهم عبر التلال والوهاد، ودون أن ينالوا الكثير من فيالق ذات الهمة المتحصنة هذه المرة داخل أسوار القسطنطينية المنيعة.
فلقد عزز من موقع الجيش العربي هذه المرة ما وقع في أيديهم من مؤن وذخائر وأسلحة حديثة، وكافة إمدادات جيش الأروام، ليعاودوا إشهارها في صدورهم بعدما تخلوا من فورهم عن الوصول إلى عاصمة الخلافة، وعادوا أدراجهم مندحرين لاستعادة القسطنطينية من أيدي ذات الهمة والأمير عبد الوهاب، لكن دون جدوى ودون إحراز تقدم يذكر.
كما ضاعف من موقع الجيش العربي ذلك الكم الهائل من المعلومات والخطط الحربية، ومشاريع تطوير الأسلحة، وإدخال مختلف التحسينات عليها، فكان أن تسلمها أبو محمد البطال وأتباعه، كما هي لم يسبق استعمالها، مازحا كعادته وهو يطلع الأمير عبد الوهاب وذات الهمة عليها وعلى أسرارها ومخترعيها وخطط تطويرها: كما هي ... لم تمس ولم تجرب! نجربها في أجسادهم - بإذن الله.
وهكذا فشل جيش الأروام بقيادة الملك مانويل في استعادة القسطنطينية؛ نتيجة لترجيح الأسلحة الجديدة والمؤن التي أصبحت في أيدي العرب.
ووصل الغيظ الجنوني بالملك مانويل إلى أقصى مداه؛ نتيجة لتخليه عن التقدم بجيوشه المدججة داخل بلاد الرافدين باتجاه عاصمة الخلافة، وعودته مسرعا لاسترداد القسطنطينية التي تسربت ضائعة أيضا من بين يديه.
وهكذا تشتتت فلول جيش الأروام أمام مطاردة عبد الوهاب لهم مشرقا ومغربا؛ فانفك تحالف الأروام البيزنطيين ودب الخلاف بينهم لسنوات طويلة، واستقر الأمر لذات الهمة والأمير عبد الوهاب في حكم القسطنطينية طويلا.
أما هارون الرشيد فعاد من فوره إلى بغداد، التي كانت قد تعاظمت شهرتها، واتسعت أحياؤها، وصخبت بكل أنواع الفنون والثقافات والقطاعات الزراعية والبساتين اليانعة على طول نهر دجلة، وبالأسواق المكدسة بمختلف السلع والبضائع العربية.
واستقبلت مواكب هارون الرشيد العائدة بالتكبير والغناء والموسيقى، ومنها ألحان إسحاق الموصلي، وموشحات الجارية التي استقدمها الموصلي للخليفة المحتضر من بلدة دمياط المصرية، وهي الجارية حسنة الصوت «خيزران»، التي اشتهرت موشحاتها وترامى صيتها:
أقول وقد ساقت من الدار نوقها
وجرى السرى من لوم بختي سوقها
ترفق بها يا حادي العيس ساعة
على لمحة لم يبق إلا بروقها
وعد بالمطايا نحو رملة عالج
فالشوق فيها مطلق ويروقها