تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكيف أن الأميرة ذات الهمة قد استولت على قصر حكمه، واعتلت عرشه ، ووضعت تاج الآباء والجدود على رأسها، فطار صواب الملك مانويل غضبا، واستبد به الجنون متسائلا لكل من يقع بصره عليه: أترون ... أحقا ما نسمع ويحدث؟

وهكذا اجتمع قادته من الملوك والكرادلة لبحث الأمر، وهم يترحمون على الملك الذي طاش صوابه، وشلت حركته من هول المفاجأة، وأجمعوا على أهمية إيقاف القتال ومواصلة الزحف في

وادي الرافدين، والإسراع بالإقلاع عائدين مندحرين أمام فداحة الكارثة التي أحدثتها ذات الهمة

هي وابنها الأمير عبد الوهاب، الذي تصور الكثيرون منهم موته المحقق نتيجة لما نصبوه له

من كمائن تكفي لإبادة كتيبة بعتادها.

وهكذا تواترت الأخبار من مقر الخلافة في بغداد بالعودة المفاجئة لجيوش الأروام المتحالفة الجرارة مندحرة إلى مقر هارون الرشيد في مالطة، فتحسب هارون الرشيد من فوره لأهمية عودتهم

مرورا بمالطة؛ لأن جيشه لم يعد قادرا على مواجهتهم، فقرر العودة إلى مقر الخلافة بعد أن كاتب

ذات الهمة والأمير عبد الوهاب بعودة الملك مانويل وجيش الأروام لمحاربتهما، والانتقام الدامي من

أبي محمد البطال، واسترداد العاصمة المستباحة.

ورتب من فوره لحماية مالطة وبقية الثغور، ثم عاد أدراجه إلى بغداد المنقلبة رأسا على عقب لما يحدث من مفاجآت غير متوقعة، سواء بالنسبة إلى تملك ذات الهمة وعبد الوهاب القسطنطينية، أو بالنسبة إلى عودة الملك مانويل بجيوشه بعد أن قاربت مشارف بغداد.

وضاعف من هول المفاجآت السقم المفاجئ الذي حط على أمير المؤمنين الخليفة الهادي، مما حتم ضرورة عودة هارون العلوي في مثل تلك الظروف المحتدمة؛ ليعتلي من فوره كرسي الخلافة الخامسة للراشدين، ويعرف بالخليفة هارون الرشيد.

| العصر الذهبي لهارون الرشيد

واستتب الأمر لأم المجاهدين - كما لقبها الخليفة - في حكم القسطنطينية وتخومها من بلدان الأروام حتى الأندلس، بعد أن اقتحم العرب أسوارها التي اضطلع بها البطال والأمير عبد الوهاب، الذي أقيمت أفراح زواجه من الأميرة «علوى»، أخت هارون الرشيد، بعد النصر الذي بهر الجميع لمدة سبعة أيام متصلة، ثم ما نشب من صراعات بين عبد الوهاب وبين زوجته الأولى - أخت الأمير راشد الكلبي المدعوة ب «أخت راشد » - نتيجة لزواجه السياسي الثاني، وهي التي رزق منها بأميرين أسماهما: قشعما وضيغما.

والأخير - أي الأمير ضيغم - ولدته أخت راشد، لكنها ماتت من فورها حزنا وغيرة من زوجته الثانية، فحزن عليها عبد الوهاب حزنا شديدا، ولبس عليها السواد شهورا، بل هو فضل دفنها بموطنها الحجاز حسب وصيتها، وعاد مصطحبا ولديه إلى القسطنطينية عبر رحلة بحرية طويلة شاقة، تعرض فيها هو وولداه قشعم وضيغم لبضع مؤامرات وكمائن من جانب قراصنة الأروام وفلول جيشهم المندحر، إلا أن النجدات سريعا ما كانت تصله في كمائنه، أو تلحق به من أمراء الحجاز وعيونهم، أو من أعين الأمير البطال، التي أصبحت لا تبعد عنه لحظة، خاصة بعد كمين محاولة اغتياله من جانب الملك مانويل، وبمساعدة بصاصيه وجواسيسه؛ إذ تم رصد أرفع الجوائز مقابل رأسه.

واجتاز الأمير عبد الوهاب - وبصحبته ولديه - سلسلة المؤامرات والكمائن التي نصبت له على طول البحر الأبيض المتوسط، منذ عودته من الحجاز وإشرافه على القسطنطينية، وتمكنه من اجتياز أسوارها ودخولها.

ووصل الاندهاش مداه بالأمير عبد الوهاب من ذلك التغير السريع الذي اعترى عاصمة الأروام البيزنطيين، نتيجة لما أحدثه العرب فيها من مبان ومنشآت، ومساجد ودور علم وأسواق ودواوين عامة خلال فترة تغيبه عنها بالحجاز.

وضاعف من ابتهاج عبد الوهاب حين وصل بولديه إلى قصر والدته الأميرة ذات الهمة متلهفا للقائها، ففاجأته ذات الهمة بأن دفعت إلى أحضانه بابنه قائلة: ابنك محمد ... سيف الإسلام.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٥٢