تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبين ضلوعي من فراق أحبتي

جحيم تلظى حرها لا أطيقها

عليكم سلام الله ما دام بارق

وما لمعت في الخافقين بروقها

لم أنس يوم فراقكم ما نالني

وجرى دمعي لفقد من أحببته

لا تطلبوا قلبي فما قلبي معي

القلب عند خيامكم خلفته

وكان أبو موسى الهادي قد أوصى بالخلافة من بعد المهدي للرشيد أخيه الأصغر.

وكان هارون الرشيد يشاركه قصر الخلافة، إلا في أوقات غيابه للجهاد حفاظا على ثغور المسلمين، لحين عودته محملا ببهجة النصر الكبير بتأمين الثغور، وفتح القسطنطينية ذاتها، وتنصيب ذات الهمة إمارتها.

فخاف الخليفة المريض إلى حد الاحتضار البطيء سطوة الرشيد، خاصة بعد أن لازمه حلم أو رؤيا؛ حيث رأى المهدي في منامه وكأن الرشيد متربع على قبة الخلافة، وهو واقف في خدمته خارج القبة؛ ومن هنا استبدت به المخاوف فأصبح موسوسا يحسب له كل حساب.

إلى أن وخزه ذات ليلة شيء في قدمه اليسرى، فحك رجله إلى أن صارت مثل البندقة، وصار مولعا بحكها حتى تورمت واتسعت، فسقط ميتا لساعته؛ فأسرع مسرور إلى جاريته المقربة «خيزران» ليخبرها بموت الخليفة المهدي، وأسرعا في طلب الرشيد فبايعاه بالخلافة، ولم تمض ساعات حتى أقبل من يبشره بمولد ابنه المأمون من سريته «مراحيل».

وما إن تعالى النهار حتى شاع في بغداد موت المهدي وخلافة الرشيد، الذي دانت له الدنيا مشرقا ومغربا، وأطاعه جميع العباد من العرب والترك والعجم والديلم، وعرف عصره بالعصر الذهبي للراشدين، حتى قيل: إن بني العباس كالنجوم الساطعة كلما خبا كوكب منهم سطع آخر مكانه.

وهكذا سعى إلى الرشيد جميع الملوك والأمراء وحكام الثغور، فاستقروا في مجده وعزه، وغنت باسمه من ألحان إسحاق الموصلي «خيزران» آخر أغنياتها:

الدهر يومان ذا من وذا قدر

والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر

القول للذي بصروف الدهر عايرني

هل عاند الدهر إلا من له قدر؟

أما ترى البحر تعلو فوقه جيف

وتستقر بأعلى قاعه الدرر؟

وكم على الأرض من خضراء مورقة

وليس يرجم إلا من له ثمر؟

كذلك الريح إذا هبت عواصفها

فليس تقصف إلا عالي الشجر

وفي السماء نجوم لا عداد لها

وليس يخسف إلا الشمس والقمر

لا تأمنن إلى الدنيا وزينتها

فعند صفو الليالي يحدث الكدر

وكما هو متبع، ما إن خمدت نيران الحرب والجهاد حتى اندلعت من فورها نيران مؤامرات القصور والسراديب المظلمة، التي تلهبها الصراعات الداخلية والفتن، والمصالح القبلية، والعصبيات الضيقة.

ففي الجبهة العريضة، ومركزها القسطنطينية والثغور، اندلعت من جديد الصراعات ضد ذات الهمة والأمير عبد الوهاب وأبي محمد البطال، الذي كان قد أنعم عليه الخليفة المهدي تقديرا لإقدامه وبطولاته واتساع نفوذه بالإمارة.

وهي الفتن والمؤامرات التي أعاد تأجيج نيرانها الخابية عمها ظالم وابنه الحارث، إلى حد دفع بالأمير عبد الوهاب إلى محاربتهما وقتل جده ظالم في شعاب الجبال، كذلك ألهب نيران تلك الفتن كبار وزراء البلاط لدى الخليفة الجديد، الذي حارب منذ مطلع شبابه تحت رايات الأمير عبد الوهاب باسم هارون العلوي.

وكان أكثر أولئك الوزراء تآمرا في معاداة ذات الهمة والأميرين عبد الوهاب والبطال، قاضي القضاة عقبة بن مصعب، والفضل بن الربيع، الوزير المقرب من الرشيد.

إلا أن ذات الهمة وابنها رأيا في جعفر بن يحيى البرمكي والبيت البرمكي عامة كل تفهم واستجابة لفكرهما ودورهما في تأمين حدود خلافة المسلمين.

وكان قد تعاظم دور البيت البرمكي داخل بلاط هارون الرشيد إلى حد فجر كل الأحقاد الدفينة ضد الوزير الأول، جعفر بن يحيى البرمكي، عند الرشيد؛ بسبب هيمنته على أهم القرارات وأخطرها، المتصلة بقضايا الحرب والسلم، خاصة في مساندة جبهة ذات الهمة والأمير عبد الوهاب والأمير أبي محمد البطال، ضد مناوئيهم في أمور الجبهة، ووضع خططها من قصيرة عاجلة إلى طويلة الأمد مضنية.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٥٤