كانت ذات الهمة تعاني الكثير وهي تكتم ضحكاتها بسبب تعليقات البطال وإيماءاته وحركاته، وهو يرفع عقيرته عاليا مشاركا بطارقة الأروام ابتهالاتهم، والرطن بلغاتهم، وهو يعاود إلهاب ظهرها العاري بسياطه قائلا: فرصة ... فرصة سعيدة. •••
وكثيرا ما كانت ذات الهمة الأسيرة تغلبها غرابة أطوار أبي محمد البطال عبر إيماءاته وتبديه وقدرته على التمثيل والتقمص والمحاكاة، التي تصل به إلى تقليد الأصوات واللكنات، ورفع العقيرة والإنشاد بصوت غاية في الجمال، وإن لم يخل من تهكم دفين كان يصل بذات الهمة إلى حد الاستغراب وهي تزحف كبدوية في سبيها عند القدمين حاملة أصفادها الحديدية مع آلاف العرب الباقين.
فكان البطال يصل بالمأزق الحرج الذي هم فيه إلى أقصى درجات الحذر من انكشاف الموقف، إلا أنه سريعا ما كان يعاود مواصلة الاستمرار في التمثيل وإتيان أفعال شاقة وغريبة عبر ذلك الاحتفال الكرنفالي، الذي تنكر فيه الجميع من غالب ومغلوب وهم في طريق زحفهم على طول ساحات عاصمة الأروام وحصونها وكاتدرائياتها، كمثل مشهد تمثيلي ملحمي يشترك في أدائه ولعب أدواره الآلاف المؤلفة من عتاة الممثلين والممثلات.
ومن عادات الأروام أن نساءهم لا يسترون وجوههن - وقد كحلن أعينهن - فظهرن كأنهن الشموس الطوالع، وكانت جملة البنات والأبكار ثمانين ألفا من النساء.
وركب أوسطليس بن جرجيس - وكان النائب المعين من قبل الملك مانويل على القسطنطينية - في عشرين ألف بطريق من الفوارس، وخرج ليلقى السبي العربي، حتى إذا ما التقى بالبطريق قائد السبي؛ وهو أبو محمد البطال،
احتضنه، واعتلى مقامه، والسبي العربي بالآلاف كالبحر الهادر عند أقدامهما، إلى أن انفلتوا داخلين إلى ساحات القسطنطينية؛ حيث أغلقت في إثرهم أبوابها النحاسية القانية الاحمرار كذهب أندلسي متوهج.
هنا صاح أبو محمد على الرجال؛ فأطبق عليهم الأمير عبد الوهاب وذات الهمة وكتائبهما المتنكرة بأسرع من انطباق الجفن على الجفن، متخلصين من ثيابهم وأصباغهم ولحاهم وصلبانهم، وضربوا رقابهم على مرأى ممن في القسطنطينية من المحتفلين بالكرنفال.
وقال أبو محمد البطال - بعد أن انتهى من إفناء معظم قادة القسطنطينية وجندها وسط الذعر والفزع الذي تحول إليه المهرجان: «إن ألفا من العوام لا يساوون كف تراب.»
ذكر البطال ذلك بسبب الذعر والفزع الهائلين اللذين سادا المدينة والمهرجان؛ حيث انطلقت الألوف المؤلفة بأصباغها وأقنعتها وملابسها الغريبة مندفعة جارية في كل اتجاه لا تعرف لها مهربا، بينما المجاهدون العرب يواصلون مطارداتهم وحصارهم، سواء على طول الساحات والميادين العامة، أو داخل أغوار الحدائق والمتنزهات المزدانة، وحتى داخل القصور والمباني دون هوادة.
واضطلع الأمير عبد الوهاب بنفسه يتبعه فيلقه بمطاردة ومنازلة قادة جند محمية المدينة وحكامها، متخلصا من رقابهم الواحدة بعد الأخرى وهو يعمل فيهم بحسامه حصدا داخل أروقة قصر الملك مانويل ذاته، الذي سدت الجثث منافذه وأروقته وسراديبه سدا؛ حتى لم يعد هناك من منفذ.
وحين انتهوا من إفناء كل نبض لمقاومة، احتضنت الأميرة ذات الهمة ابنها عبد الوهاب وهي تجفف عنه جروحه، وتمسح بكف يدها الحانية أصباغه التي تنكر بها.
وهنا اندفع أبو محمد البطال مضاحكا الأميرة ذات الهمة وهو يأخذ بيدها لتعتلي مكان أعلى عروش أوروبا هامة ومقامة، وهو عرش الملك مانويل الثالث، نازعة عنها ثياب الروم والأصباغ والشعر المستعار والقناع، مشيرة إلى الكرنفال الكبير التنكري الذي استحال إلى عيد للذعر مما حدث.
وهكذا دانت لهم القسطنطينية وعواصم وثغور بلاد الأروام الواسعة التي تعيش بالخير الكثير والثراء. •••
وعلى هذا النحو الصادم الفاجع وصل الخبر القاتل إلى الملك مانويل وقادة جيشه، بعد أن أشعلوا الموصل بالنيران وقاربوا بغداد ذاتها؛ كيف أن الأمير عبد الوهاب بعد أن شفي من جراحه الدامية، والبطال ومن معه من الفرسان، تملكوا البلاد والثغور طولا وعرضا، وفتحوا القسطنطينية ذاتها، وقتلوا من فيها من الحاميات والأجناد.