تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بينما حقيقة الأمر المخالف للتقدير العربي الخاطئ أن البيزنطيين واصلوا تقدمهم لتحرير أسراهم، ومواصلة التقدم عبر البسفور باتجاه العراق ذاته، بل وعاصمته الجديدة بغداد؛ لاقتحامها وإسقاطها بعد أن أعمى عيونهم النصر المرحلي غير المتوقع.

وهو عكس ما تبادر إلى ذهن الرشيد وجنده، الذين استعجلوا - بدورهم - انتصارهم، حتى إن هارون الرشيد مضى من فوره في توزيع الغنائم والأسلاب من الذهب والفضة؛ «تصدقا بعشرة آلاف دينار على الفقراء وأبناء القتلى والشهداء»، ودون إدراك صحيح للرشيد لهدف الأروام وخطتهم؛ نتيجة

لغياب عبد الوهاب والبطال عن القتال معه، وانشغال ذات الهمة للتصدي لجبهة مخالفة على مشارف

وتخوم القسطنطينية ذاتها.

ومن هنا سار الجيشان - العربي والرومي - في طريقين متعارضين؛ حيث انقسم التحالف العربي إلى قسمين أو جيشين؛ فبينما آثرت فيالق الرشيد - وغالبيتهم من جيش العراق - البقاء في مالطة وبقية الثغور المحررة على طول «مسبوتاميا» - أو آسيا الصغرى - وشواطئ وثغور البحر الأبيض المتوسط بعامة؛ لإعادة استردادها من أيدي البيزنطيين، ولتعود كما كانت في موقع الحصون المنيعة في أيدي العرب.

وهنا تحركت فيالق ذات الهمة والأمير عبد الوهاب وأبو محمد البطال باتجاه القسطنطينية، التي أكدت معلومات البطال وبصاصيه خلوها من أي حماية تذكر.

أما التحالف البيزنطي الرومي؛ فإنه بدوره انقسم إلى جيشين مستقلين؛ حيث واصل جيشه الأكبر الزحف باتجاه العراق ووادي الرافدين، بينما عادت حامية منه محملة بأسلاب الأسرى العرب، راجعة أدراجها إلى القسطنطينية لتشديد حمايتها، توجسا من زحف ذات الهمة وابنها الأمير عبد الوهاب، الذي كان قد تحامل عائدا إلى موقعه كرأس للجيش العربي، متوثب الذكاء والموهبة في وضع الخطط، التي كانت تلقي بكل مفاجأة وفزع في صفوف الأروام.

فعندما آثرت ذات الهمة التريث وعدم ترك الثغور العربية عارية أمام زحف الأروام باتجاه الشرق ومركزه عاصمة الخلافة، خالفها الرأي والمشورة الأمير عبد الوهاب قائلا: «يا أماه ... من الصواب مواصلة السير قبل كل شيء باتجاه بلاد الروم - القسطنطينية - طالما أنها خالية من العسكر الآن.»

وابتهج البطال لرأي عبد الوهاب معدا لذات الهمة مفاجأة ما بعدها مفاجأة، مدعمة بما توصل إليه العيارون والأشبال من معلومات، شريطة الإسراع الفوري بحسب الالتزام بخطة عبد الوهاب باتجاه التقدم الحثيث للعاصمة.

حتى إذا ما اقتنعت ذات الهمة ورحلوا طالبين القسطنطينية أسرعوا المسير، إلى أن لحقوا أحد قادة الأروام من البطارقة العائدين بأسرى المسلمين، ومنهم الأمير عمرو بن عبد الله بن سليم، حاكم مالطة، الذي تربى معه منذ الطفولة والشباب الأمير عبد الوهاب.

ولم يحتج الأمر لمحاربة فيلق الأروام العائد بالأسرى العرب؛ ذلك أن البطال تولى هذه المهمة بإحدى حيله القصيرة القاتلة، فقتل البطريق القائد، وخلصوا سباياهم، وعانق عمر عبد الوهاب، وأقاموا ثلاثة أيام للراحة، ثم واصلوا الزحف من مائة وعشرين ألف جندي ما بين سودانيين وأكراد وفلسطينيين ويمنيين وحجازيين، وساروا إلى أن نزلوا على بحيرة «خرشنة» المتاخمة للقسطنطينية، فلما رأى حاكم تلك المدينة الساحلية عظم جيش المسلمين وعتادهم، أرسل إلى الملك «مانويل» في مقره، وهو على مشارف عاصمة الخلافة في بغداد، ليعلمه بمدى الخطر الداهم المطبق على القسطنطينية ذاتها.

حتى إذا ما قرأ الملك مانويل كتابه اكفهر إلى حد الهياج الهستيري، متهما زمانه الخائن الرديء، وكذلك قواده ومستشاروه، وجمع من فوره بقية الملوك والقادة ومجلس البطارقة والأمراء، وكل من كان في فلكه، معلنا أنه يتشمم رائحة الخيانة فيما يحدث ويجري على جبهة القتال، واتهمهم جميعا بالخيانة وضيق الأفق، وحلول الكارثة على رأس الجميع.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٤٧