فكيف يتسنى له وجيشه استرداد الثغور والعبور عبر الأناضول، بعد أن كسروا جيش شقيق الخليفة ذاته هارون الرشيد، وواصلوا زحفهم نزولا إلى الرافدين، فتساقطت أمامهم مدن العراق الواحدة بعد الأخرى، زحفا إلى العاصمة عاصمة خلافة المسلمين، وعندما قاربوها وأصبحت على مرمى البصر من أبصارهم إذا بالأخبار السوداء تتهاوى على رءوسهم كالصواعق الحارقة الفانية، كمثل حمم عاتية ليس بمقدور بشر احتمالها، ومن أين تجيء؟ من خلف ظهورهم ... ولمن؟ لأبنائهم وجرحاهم الذي خلفوهم عرايا بالقسطنطينية دون غطاء ليستبيحها العرب الأجلاف.
وكانت كلما تواترت الأخبار والتقارير حول ما يحدث على جبهة ذات الهمة، كلما أعاد الملك مانويل شق ردائه على مشهد من القادة وبقية الملوك والأمراء والبطارقة الواجفين غيظا وكمدا.
كيف استولى البطال على البطريق قائد الحملة العائدة مظفرة بعشرات الآلاف من أسرى المسلمين وأسلابهم لحماية القسطنطينية، بالمكيدة والمخادعة، كمثل سكين يقطع زبدا، وحل وثاق أسرى المسلمين؟! وها هو الآن إلى جانب ذات الهمة وابنها يدقون أسوار القسطنطينية في غفلة، ويمكن القول «تغفيل» منه ومن قادته ومستشاريه!
والأدهى من هذا وأكثر مرارة، أن ذلك يحدث وهم - أي الأروام - هنا على مشارف الحلم الأكبر العسير المنال، الذي أرقهم السنين الطوال، بل الدهور إثر الدهور، في أن تصل أياديهم الطولى يوما عاصمة خلافة المسلمين. وها هي بغداد محط الآمال مشرفة على روابيها وتلالها وأنهارها تخاطب عيونهم. ها هو حلم الأسلاف والأجداد على مرمى البصر من ملوك أوروبا وأباطرتها، تكشف لهم عن وجهها الخبيء الغامض بما كانوا يسمعونه عنها من ثراء ورفاهية، وأكداس كنوز الشرق وعبقه، ومصنوعاته وعلومه، ومنسوجاته وفنونه، وموسيقاه الشجية وسمره غير المنقطع.
وليس في مقدورهم العبور إليها وإلى ساحاتها وقصورها الوارفة على الدجلة، بعدما حدث من غفلة وتغفيل ليسا منه - أي الملك مانويل - وقادته.
كان جشع الملك مانويل الثالث وأحقاده تتفجر هادرة في كل اتجاه أمام سراب انقشاع الحلم السلفي بالوصول إلى هنا ... إلى عاصمة خلافة المسلمين.
تتفجر هادرة ضد قادته وساسته ومستشاريه، وضد العرب الدمويين وتآمرهم وأحابيلهم، وبخاصة ذلك الشبح الخيال الذي أذاقهم الويل وسخر منهم لطوب الأرض ذاته؛ أبو محمد البطال، صاحب الحيل والملاعيب التي يبدو أنها لن تنتهي أبدا، والتي إن دلت على شيء فإنما على مدى غباء تحالف الأروام البيزنطيين وملكهم وقادتهم.
وهكذا أعاد الملك مانويل الثالث تساؤله - وهو في أقصى حالات غضبه ومرارته على مجمع قادته ومستشاريه: أليست هي ذات الحيلة المكيدة التي دبرها العرب وجاسوسهم العجوز السابق ابن الحصين، أستاذ البطال ومعلمه الأول، والتي عن طريقها اقتحم العرب حصن ابنته الأميرة «باغة»، حاكمة مالطة وما حولها من ثغور، وانتهى الأمر بقتلها وقطع رأسها منذ بضع سنوات ليست بالبعيدة؟
وكان الملك مانويل يعني مشيرا إلى تلك المكيدة التي دبرها الحصين بن ثعلبة، حين استولت فيالق ذات الهمة على كتيبة من قادة جند الأروام، تسوق أمامها عائدة إلى حصن الأميرة باغة المنيع، الذي استعصى فتحه واقتحامه طويلا على العرب، تسوق أمامها بضعة آلاف مؤلفة من أسرى العرب المسلمين في أصفادهم وسلاسل سبيهم.
فكان أن استولت كتائب ذات الهمة التي تحصنت في شعاب الجبال على قادة الأروام وبطارقتهم، وحرروا أسراهم، وقبل أن يقدموا على قتل القادة الأروام، اضطلع العيار العجوز ابن الحصين بوضع
خدعته الماهرة، حين خلف عن الأروام ملابسهم وهيئاتهم وأسلحتهم، وأعاد إلباسها ووضع التفاصيل الدقيقة لأتباعه من البصاصين والعيارين المهرة في التمثيل والتنكر وإتقان اليونانية القديمة، وتحركوا باتجاه حصون الأميرة «باغة» وهم يسوقون أسراهم من العرب، ومنهم