تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن تباشير النصر لم تحقق كل غاياتها، فدفع الأمير عبد الوهاب الثمن الفادح من دمه المسفوح على تخوم القسطنطينية، حين جرح جرحا بليغا قارب أن يفقده حياته، وحزنت أمه ذات

الهمة عليه إلى حد الخبل وهي تضمه إلى صدرها داميا غائبا أياما ثقيلة بحالها عن كل وعي.

| الأمير عبد الوهاب يشفى من جراحه!

حلت الكوارث بالتحالف العربي عقب كارثة جرح الأمير عبد الوهاب في تلك الحملة التي شارك فيها شقيق أمير المؤمنين الخليفة الهادي: هارون.

وهو الذي أصبح فيما بعد الخليفة الخامس هارون الرشيد، الذي تعورف على عصره بالعصر الذهبي للراشدين.

وحطت الأحزان بأمه ذات الهمة إلى حد إحساسها بالتمزق الدامي الذي اعتراها، نتيجة لسقوط ولدها ورفيق جهادها عبد الوهاب نهبا لجراحه الغائرة ودمه المسفوح بين جحافل جيوش الأروام الجرارة، والتي جاءت هذه المرة مدججة بكل جديد من مختلف أسلحة الفتك، والخطط الملتوية الأفعوانية، في مواجهة جيوش المسلمين التي أذهلها الوضع وما طرأ عليه من تحولات، إلى حد الثبات عند مراحل الدفاع دون أن تتخطاه للهجوم والتقدم والوثوب.

وأبدت معظم الفصائل العربية أقصى ما في الباع تقديمه، صمودا في وجه ذلك العدوان التتري المفاجئ من جانب الأروام، دون أن تغفل عيونهم عن الإسراع في تضميد جراح الأمير عبد الوهاب، التي ومع توالي الأيام العصيبة واصلت التئامها ببطء، مما أثار المخاوف بين صفوف المسلمين.

ومما ضاعف من نكبات العرب تساقط بعض قلاعهم وموانئهم وحصونهم وثغورهم، التي عانوا طويلا في تأمينها الواحدة بعد الأخرى، كمثل عقد منفرط بأيدي الأروام هذه المرة.

ورغم الأحزان القائمة التي حطت على ذات الهمة وهارون الرشيد وأبو محمد البطال، على افتقادهم لإقدام وبأس الأمير عبد الوهاب، إلا أنهم واصلوا الصمود والتقدم الحثيث على مختلف الجبهات المتعارضة التي خططت لها وافتتحتها جيوش الأروام، بعد أن أسكرها النصر المعجل.

إلا أن الدلهمة لم تستسلم لحظة في مواجهتهم، بل واصلت وضع الخطط المضادة، فما إن خرج هارون الرشيد ليسترد «عمورية» التي سقطت بأيدي الأروام، وعرج عائدا بفيالقه على مالطة، حتى استقبلته ذات الهمة بخمسة عشر ألف رأس من رءوس قتلى أعدائها الأروام غير الأسرى في الأصفاد، برغم ما اعتراها من تمزق وأسى لجراح ولدها عبد الوهاب؛ وذلك برغم ضراوة ما كان يحاك ضدها في الخفاء - ودون أدنى اعتبار لمتطلبات الحرب - من مؤامرات وفتن من جانب عمها ظالم، وابنه الحارث، وقاضي القضاة عقبة بن مصعب، المفوض من قبل أمير المؤمنين الخليفة الهادي وأقرب مقربيه، حتى إنها واجهت هارون الرشيد محتدمة بالغضب في وجهه وهي تلقي بأحمال رءوس قتلاها عند قدميه قائلة: «أقسم بمن أنشأ الأنام، وفرض الحج والصيام، لولا خوفي على ثغور الإسلام من الكفرة اللئام؛ لرحلت إلى أي موضع كان، ولا أصبر على الذل والهوان.»

وهدأ الرشيد من روعها وهو يزف إليها تقارير حكمائه وأطبائه الأخيرة، التي وصلته عاجلا بتماثل الأمير عبد الوهاب للشفاء من جراحة البليغة.

وافترقا على أمل اللقاء في القسطنطينية؛ حيث واصل هارون الرشيد - الذي تضفي عليه السيرة أنه كان أشجع بني العباس - تقدمه لملاقاة جيوش الأروام، إلا أن الجيش العربي انكسر أمام جحافل الزحف البيزنطي عنوة من جديد.

إلى أن حلت عدة مفاجآت غير متوقعة مع حلول الظلام، حين تحركت الجيوش البيزنطية عائدة من حيث أقبلت، فظن الرشيد وجنده، ونتيجة لهول المفاجأة بالانسحاب - غير المبرر أو المتوقع - أن الأروام عادوا أدراجهم باتجاه العاصمة البيزنطية «القسطنطينية» لحمايتها في وجه تقدم ذات الهمة وابنها عبد الوهاب، الذي آثر التماثل للشفاء من جراحه في الجهاد ووهجه المحتدم، برغم محاولات البطال وذات الهمة لثنيه عن المنازلة لحين تضميد الجراح البليغة.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٤٦