كما أخبرها الأمير عبد الله بوصول إمدادات جيش الخليفة بقيادة شقيق أمير المؤمنين، الشاب هارون العلوي - هارون الرشيد فيما بعد - وبصحبته الشيخ القاضي عقبة، والوزير الأول للخليفة الفضل بن الربيع، وأن الجميع بانتظار مقابلتك والأمير عبد الوهاب للاجتماع وطرح المشورة العاجلة التي أوصى بها أمير المؤمنين أخاه هارون.
واستبشرت الأميرة ذات الهمة بوصول الإمدادات التي تأخرت طويلا بقيادة شقيق أمير المؤمنين هارون العلوي، التي ما زالت تذكره ذات الهمة طفلا يفيض حماسا وتوقدا، إلى أن أصبح شبلا مجاهدا يوما تحت راياتها.
وما إن التقته لحظة وصوله على رأس خمسين ألفا من المجاهدين حتى احتضنته، وكذلك عانقه الأمير عبد الوهاب، وتصادقا منذ اللقاء الأول إلى حد إبداء هارون الرشيد الرغبة الصادقة في أن يحارب هو وجيشه تحت رايات الأمير عبد الوهاب.
وتحمس الخليفة الصغير بعد اطلاعه على كافة المعلومات التي أحرزها أبو محمد البطال، متعجلا الإسراع في الخروج إلى ملاقاة جيش الأروام ومداهمته قبل أن يحدث العكس.
كانت الساعات المثقلة بخطر الهجوم تكتم الأنفاس على الجانبين، حتى علت طبول الحرب مدوية، وارتفعت أصوات المنادين معلنة التأهب، والركوب للجهاد وملاقاة الأعداء.
وما إن اندلعت رحى تلك الحرب القارية الجرارة، وامتد أمدها طويلا على طول آسيا الصغرى والبسفور ومداخل أوروبا الجنوبية والأندلس حتى تبدت شجاعة هارون العلوي - أو هارون
الرشيد فيما بعد - وهو يقاتل تحت رايات وقيادة الأمير عبد الوهاب، الذي فاق الأول في إقدامه وتضحياته، إلى حد تعرضه للموت المحقق في أكثر من واقعة، مما دفع بالرشيد إلى ملازمته واقعة بواقعة، والإشادة بفضائل ترس الرسول التي انطبعت في ذاكرته أبد الدهر.
بل إن هارون الرشيد وقع في الأسر جنبا إلى جنب مع عبد الوهاب، وعاشا معا معاناة الأسر والسبي الرومي وتعذيبهما داخل غياهب السجون، لحين إقدام أبي محمد البطال على التوصل إليهما وفك أسرهما، والعودة بهما سالمين، محملا بالتهكمات والنكات التي أضحكت الجميع، وخاصة ذات الهمة.
وتزايدت منزلة الأمير عبد الوهاب في قلب الخليفة العباسي الخامس هارون، إلى حد أنه أصبح يكاتب أخاه الأكبر الخليفة الهادي مستفيضا في شرح مناقبه ومآثره في الدفاع عن حرمات العرب والمسلمين.
وكان الخليفة يتذكر من فوره ما أوصاه به الخليفة المهدي وهو على فراش الاحتضار: عينك على عبد الوهاب ... لا تغيب.
فلقد وصل عدوان التحالف الرومي وعناده في هذه الحرب المستعرة التي امتدت رحاها على رقعة هائلة من أرض المسلمين وثغورهم، إلى حد وصول طلائع فيالقهم إلى البصرة والكوفة، ونقل المعارك إلى مواقع الخلافة ذاتها، دون أن تهادن جحافلهم الفيالق العربية المتحالفة بقيادة ذات الهمة وعبد الوهاب وهارون الرشيد.
بل إن ما دفع بجيوش المسلمين إلى تلك الحالة غير المطمئنة من التراخي ... إلى حد استفحال خطر الأعداء الأروام الطامعين هو تلك الانقسامات العربية التي تفاقمت ... سواء على طول جبهات القتال أو داخل أروقة الخليفة الهادي، الذي أسلم قياده لوزرائه المتحالفين مع الأمير ظالم - عم ذات الهمة - الذي رأى في الحرب مغنما للنهب والثراء هو وابنه الحارث.
ومن أولئك الوزراء قاضي القضاة عقبة بن مصعب، الذي نجح ظالم في استقدامه إلى جبهة القتال، لمناوئة ذات الهمة وابنها عبد الوهاب، وتقويض انتصاراتهما السابقة واللاحقة.
إلا أن عبد الوهاب نجح في اجتذاب شقيق الخليفة ذاته هارون الرشيد، إلى حد إقامة روابط الدم بينهما بزواج عبد الوهاب من أخت الرشيد.
ومن هنا فرضت تلك الجبهة الشابة لعبد الوهاب وهارون العلوي وذات الهمة والبطال مواصلة القتال والتقدم دون التفاتة إلى الوراء، حتى لاحت تباشير النصر، حين ارتفعت رايات عبد الوهاب خفاقة عالية وهي تطرق أبواب عاصمة الروم البيزنطيين المنيعة ... القسطنطينية.