وكان البطال من جانبه يحسن معاملتهم، ولا يرد لهم طلبا، فيما عدا إطلاق السراح - بالطبع - والعودة إلى أوطانهم، لدرجة أن بعضهم فضل - من جانبه مستسلما - العمل بورش الأسلحة العربية، مقدما خبراته عن رضا، حتى إن ذات الهمة غالبها الضحك ذات مرة من أساليب البطال الناعمة في ترويضهم واستئناسهم إلى هذا الحد، فهمست في أذنه: ما الخبر يا أبا محمد ... هل أنت جندتهم؟
فأجابها البطال: ما تفرق معهم ... هنا ... هناك، المهم العمل للحصول على الرزق حتى في الحرب.
وقفز من فوره مخرجا زجاجة من عب أحدهم، وكان مخترعا وله لحية حمراء جليلة: المهم هذا.
فضحك الرومي الأحمر الشعر واللحية مختطفا الزجاجة في حذر من يد البطال قائلا: هذا ماء.
وأضاف أبو محمد البطال: ماء ... أو مسكر ... المهم أن تعمل هنا.
ثم دفع به إلى مواصلة عمله: المهم ما تصل إليه أيدينا منهم ... أحسن من بلاويهم وكوارثهم.
وضاحكه الأمير عبد الوهاب: المهم أنك جندته يا أبا محمد. - تسعة آلاف من هذه العينة السيئة.
ثم اندفع مشيرا إلى معسكراتهم: المهم أنهم فرحون هنا، وجميعهم يحبون الشرب أكثر من أي شيء آخر.
وضحكت ذات الهمة مستبشرة بما اقتنصه البطال من وافر الأسرى والأسلحة والأسرار، من دون كلل، خلال رحلتها هي وعبد الوهاب إلى الحجاز وبغداد.
بل إن ما أوصل ذات الهمة إلى أقصى درجات اندهاشها من فعل أبي محمد البطال توصله إلى ما أحدثه الأروام من تغيير لأماكن لقاءات وفودهم وقادتهم داخل أوطان لم تسمع بها أصلا، وكاتدرائيات ودوقيات متناهية السرية، ليزرع داخلها جواسيسه وأسماعه من عيارين وبصاصين، والذين تعرض الكثيرون منهم للاستشهاد والأسر وأقسى أنواع التعذيب داخل سجونهم وآلات تعذيبهم، التي لا تعرف معنى الرحمة أو الشفقة.
وكان البطال يضرب بهؤلاء الشهداء وظروف موتهم المثل الحي على الشجاعة والجلد، محييا ذكراهم العطرة دفاعا عن حرمات المسلمين.
بل إن ذات الهمة لم تتوان للحظة عن ذكر أولئك الشهداء العرب، ورعاية أسرهم والوصاية بكل عطاء لهم ... فهم - أي الشهداء - أحباب الله كما كانت تكرر دائما.
وقد لاحظت الأميرة ذات الهمة منذ الصبا المبكر في ابنها الأمير عبد الوهاب مدى حرصه ورعايته لأبناء القتلى والشهداء، لدرجة أنه أخذ على عاتقه المشاركة في مواساة أهاليهم خلال طقوس الدفن والجنازات والعزاء، سواء في الإنابة عن ذات الهمة، أو بدافع شخصي منه.
في البداية أعجبت ذات الهمة بمدى تعاطف عبد الوهاب مع المصابين من كوارث الحرب والجهاد ، مما دفعها إلى مباحثة أمير الحملة في ضرورة إنشاء ديوان خاص لرعاية الشهداء وأسرهم، يخضع لقوانين محددة يتفق عليها، ونما الاقتراح إلى حد استخراج حصة ثابتة من مخزون الغنائم يجري صرفها على الجرحى والمصابين وأهالي الشهداء.
حتى إذا ما شب الأمير عبد الوهاب ووصل إلى مطلع شبابه أوكلت ذات الهمة هذه الإدارة أو «الديوانية» إليه، نتيجة حرصه وإحساسه المبكر بواجب الرعاية للشهداء والمصابين والجرحى وأسرهم.
ولم تطل فرحة ذات الهمة بما استحوذت عليه من أسلحة وأسرى ومعلومات وخطط حربية استحدثها الأعداء خلال فترة غيابهما عن الجبهة، ذلك أنها ما إن عادت أدراجها يرافقها الأمير عبد الوهاب إلى مضاربها فرحة مستبشرة، حتى هالها تواجد أمير الحملة عبد الله بن سليم وابنه عمرو، وعشرين أميرا من كبار القواد للأقوام والكيانات العربية، ما بين حجازيين ونجديين وسوريين وبلاد السرو وعباد - التي هي الأردن اليوم - وسودانيين ومصريين وأكراد وأعجام وعرب المغرب والأندلس، وكانوا جميعهم بدروعهم ولباس حربهم وعدتهم بكاملها.
وأعلمها على الفور الأمير عبد الله بوصول جيوش الأروام إلى بعد فراسخ من مالطة، ووصول بعضها إلى رودس وعمورية، ومحاصرة جند المسلمين وأسرهم بالآلاف.