وهكذا وجد الأروام الفرصة سانحة بموت الخليفة لجمع كلمتهم، وتوحيد صفوفهم، تحسبا لمعاودة الهجوم على العرب، وانتهاك شروط الهدنة التي لهثوا طويلا لعقدها.
وخاصة بعد أن وصلتهم الأخبار المحققة من جواسيسهم وعياريهم بتفاصيل ما حدث من انشقاقات عربية، وعودة ذات الهمة والأمير عبد الوهاب إلى الحجاز والبصرة والكوفة، مثقلين بالمؤامرات والفتن القبائلية الداخلية، التي يعرفها جيدا مختلف أجناس الأروام ومللهم عن العرب وعن طبائعهم، وما يفت في عضد أمتهم من آفات غائرة كانت تتيح لهم على الدوام استثمارها والمتاجرة بها في تحقيق انتصاراتهم الغادرة.
من هنا سرت الأخبار بين العواصم الرومية والأوروبية وما يجاورها عما حدث داخل الصفوف العربية، وأفضى إلى غياب ذات الهمة وابنها عبد الوهاب عن جبهة القتال.
فعقدت اللقاءات وتضاعفت الزيارات السرية لأمراء الأروام وساستهم وبطارقتهم، طلبا في جمع الإمدادت والأسلحة التي استحدثوها في غيبة عبد الوهاب وأمه عن جبهة القتال، انشغالا بالفتن والمؤامرات القبائلية الداخلية.
وهكذا تشجعت الأروام عقب غيبة عبد الوهاب - بالذات - عن الجبهة في تجميع فلولهم،
بل إن التحالف الرومي برع حقا، في تلك الجولة، في التستر عما يحدث ويجري وضعه من خطط خطيرة لتطويق الجيش العربي في غيبة قادته.
وتم ذلك عن طريق عقد اللقاءات والزيارات بعيدا عن القسطنطينية، التي أصبحت في متناول الأبصار والآذان العربية، وخاصة البصاص أبا محمد البطال، الذي أصبح بعبعا يخيفون به الأطفال والكبار: ها هو البطال ... يدق الجدران.
فتم وضع صورة له في أبرز ساحات القسطنطينية وبقية عواصم الغرب كمحاولة لتحذير الناس، وتعريفهم بملامحه في مختلف الهيئات التي اعتاد التنكر بها.
وكثرت حوله الأمثلة والمأثورات التي تشير إلى التعجب من قدراته ومهاراته، وهو الذي يلعب «بالبيضة والحجر»، فقالوا عنه: لا فائدة ... إذا لم ينتقل البطال إلى الجبل انتقل الجبل إليه.
فهو ذلك الذي يسرق كحل عيون الأروام، وأسرار خططهم، وأسلحة غدرهم، وعروش ملوكهم ومخترعيهم، وقادة فيالقهم؛ لذلك لم تعد القسطنطينية، وهي العاصمة الرسمية والفعلية للأروام صالحة للقاءات والمؤامرات الرومية الهادفة لتخطيط مسار الحرب ضد المسلمين.
فحددوا أماكن اللقاءات مرة في أغوار ومتاهات البلاد الواطئة، وأخرى في أعالي الجبال الشاهقة المغطاة بالجليد، والتي يخيم عليها الغموض نتيجة وعورة مسالكها المضللة لأعتى العيارين والبصاصين العرب من أتباع البطال وأسلافه، في تلك المهنة الشاقة المحفوفة بالأخطار.
صحيح أن في حوزة العرب ثروة حقيقية من الخرائط وأوصاف وطبائع المدن والكيانات الأوروبية، التي توارثوها عن أسلافهم من فاتحين ورحالة وجغرافيين وخبراء في وصف المدن ومختلف الأقوام وطبائعهم، لكن كيف الوصول إلى تلك الأصقاع المتناهية البعد العسيرة المنال؟
ومن هنا، برع المخططون للجولة المقبلة في الحرص على عدم تسرب خططهم وحديث أسلحتهم إلى العرب، كما حدث في العديد من الوقائع والصدامات الحربية السابقة؛ لذا لجأ الأروام إلى إشاعة الأخبار المغلوطة وتسريبها إلى أفواه العامة؛ ليقع في حبائلها البطال وكتائب عياريه وبصاصيه.
خاصة بعد أن عرف الأروام عنه مختلف حيله، ومنها معرفته الواسعة بكل لغاتهم ولهجاتهم من لاتينية وجرمانية وغالية وسكسونية وإسبانية وهنغارية وسلافية، ناهيك عن معرفته بطبائعهم وتقويمات أعيادهم الموسمية، وخفايا كنوزهم، وأدق ممارساتهم اليومية.
وكيف للأروام أن ينسوا يوما مهازل البطال مع ملوكهم وأميراتهم ودوقاتهم وكبار بطارقتهم؟
كيف لهم أن ينسوا يوم دخوله القسطنطينية ذاتها؟
لذلك تشدد قادة الأروام هذه المرة في سد كل الطرق والمنافذ التي تتيح تسرب أسرار استعداداتهم ومخططاتهم إلى أيدي العرب والمسلمين.