تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل حتى سيول الإمدادات من جيوش بمختلف أسلحتها وأموال ومؤن ومخترعات حربية وجدت طريقها للتجمع بعيدا عن العواصم، فكانت تتحرك في أعماق الغابات وضفاف الأنهار على مقربة من الأديرة المهجورة وبداخلها، بعيدا عن الأعين الراصدة لما يجري من إعداد لخطط جديدة، وتجارب لاختراع أسلحة حديثة، دون أن تطالهم ألاعيب البطال وخداعات عياريه وبصاصيه المنبثين ليل نهار، في كل مكان وحانة، وبهو قصر، ومخدع، واحتفال محلي، ودير، ترصد أكثر الأسرار والتحالفات والخطط خفية؛ لتعود بالمحصلة إلى مضارب ومعسكرات ذات الهمة وابنها عبد الوهاب.

ومن يدري بما أصبح في حوزتهم من أسلحة الفتك وما جد عليها، في غيبة ذات الهمة والأمير عبد الوهاب إلى بغداد ثم الحجاز؛ حيث تم إجراء مراسيم عرس عبد الوهاب، واحتفاء الأهل وقبائل جزيرة العرب به.

من يدري بما أصبح لديهم يشد أزرهم، ويدفع بهم وبملكهم الجديد الذي خلف لاوون «مانويل»، وابنته الشبيهة بالذئبة، التي تظهر العداء والكره ضد العرب المسلمين، ويلقبونها ب «الميرونة».

ولم تطل هواجس ذات الهمة وتساؤلاتها، وخاصة عما استحدث من أسلحة لدى الأروام، الأعداء حتى اندفع الأمير عبد الوهاب مصطحبا أبا محمد البطال في جولة تجسس أخرى، وكان البطال لا يكف أبدا عن المزاح والتهكم من كل ما يراه ويشهده، حتى إنه إذا لم يجد شيئا يحيك حوله نكاته التي أصبح يعرفها الصغير والكبير، التفت إلى نفسه ساخرا مختلقا المأزق، حتى ولو كان في أقصى درجات الخطر الداهم والحصار والسلاسل وغياهب سجون الأروام؛ حيث كان ينفجر هناك ساخرا من طعام لحم الخنزير، حين يقدمون له - جرايته - أو حين يجبرونه على ارتداء الأسمال الممزقة.

إلا إنه كان قادرا على الإفلات من كل الشباك والمصائد والسلاسل والزنزانات المطمورة تحت الأرض، ليعود إلى قومه العرب ضاحكا متندرا ناشرا في كل شبر يحل به السخرية اللاذعة من الأروام «الخواجات» وغبائهم وجبنهم، وغرابة أطوارهم، وأجساد نسائهم وحريمهم.

وكانت ذات الهمة تستبشر بضحكاته حين تصلها عالية صاخبة جامحة لا مبالية، مبددة لكل خطر وتوجس.

بل كانت غالبا ما تعاني الأمرين في كتم ضحكاتها مما يرويه حتى في أكثر حالاتها غضبا، ثم يعيد سرده عليها عقب كل رحلة ومغامرة مع جيشه من البصاصين والعيارين، وهم الذين دربهم على إتقان كل فنون إجادة النطق بلغات ولهجات ولكنات الأعداء من كل صوب وملة، والتنكر باستخدام ملابسهم من رجالي وحريمي، وصبغ وجوههم بالأصباغ، وطرق مشيهم وحركتهم وإيقاعهم وكافة خلجاتهم، وبثهم بعد ذلك في صفوف الأروام حتى داخل أسوار القسطنطينية المنيعة ذاتها، وداخل معسكراتهم وكاتدرائياتهم وقصور ملوكهم ونبلائهم وبطارقتهم، وورش صنع أسلحتهم ومراكبهم وبواخرهم وخماراتهم، وفي كل مكان يرصدون بدقة ما بعدها دقة كل ما تقع عليه العين، وتلحقه الأذن من تحركات أو استعدادات للوثوب والهجوم.

ومن هنا تزايد جيش البطال من العيارين، وغالبيتهم بالطبع من الأشبال المتحمسين المتفجرين ذكاء وإقداما، وبالطبع تزايدت سطوة أبي محمد البطال وذاعت شهرته ونكاته وخوارقه في الإيقاع بالأعداء، والإفلات من أعتى المآزق، إلى حد أشاع الرعب في قلوب الأروام، فوضعوا المحاذير في طريقه وعلقوا صوره في الميادين العامة ودواوين الجند والحكومة والكنائس، وأصبح مصدرا دائما لمخاوفهم في كل مكان.

مما أدى إلى أن يغير البطال أرديته وطرق تنكره؛ حيث أبدع في ذلك، فهو مرة كبير للبطارقة، ومرة أخرى حارس بوابة بالقسطنطينية، أو جندي يوناني، إضافة إلى تظاهره بكونه شحاذا أو سكيرا وهكذا، فأين لهم أن يطولوه وتلحقه سواعدهم وأسلحتهم؟!

لذا ما إن تناهت ضحكاته وقفشاته، التي غالبا ما كانت تشيع بعض الفوضى والتسيب في قصر ذات الهمة حين دخوله، حتى استبشرت مبتسمة آمرة له بالدخول بصحبة الأمير عبد الوهاب.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٤٢