وكان الخليفة قد وجد لعبد الوهاب الشاب مكانا رحبا في قلبه، حتى إنه قربه وباركه، وأجلسه إلى جانبه على مرأى من الجميع.
وبدت مؤامرة التقليل من ذات الهمة واضحة حين تدخل كبار وزراء بلاط الخليفة إلى جانب عمها وقبيلته، وعلى رأسهم الوزير مصعب والفضل بن الربيع.
إلا أن الخليفة استمع مطولا إلى وجهة نظر ذات الهمة، وتفاصيل ما عانته في السنوات الأخيرة من تآمر وفتن وصلت إلى مضربها ومخدعها.
ووصل الأمر بالخليفة إلى حد الغضب والاقتناع بأقوال أم المجاهدين، والأمر بإيداع عمها ظالم وابنه الحارث غياهب سجنه الملحق بالقصر.
وأنعم الخليفة المهدي على ولدها عبد الوهاب أعلى درجات الإمارة، فنصبه أميرا لبني كليب ووحيد وعامر.
ولكن ما إن انقضت أيام ذات الهمة في بغداد، وتحرك ركبها بصحبة الأمير عبد الوهاب إلى مضارب الأهل بالحجاز ومكة، حتى اندلعت ألسنة الفتنة ونسج الأقوال الملفقة لذات الهمة وشوكتها الضاربة؛ تخوفا من أن تشهرها يوما في وجه الخلافة ذاتها، مستعينة بجندها وعتادها ومصادر قوتها التي لا ينضب لها معين، والتي أصبحت مهددة لأعظم الإمبراطوريات رسوخا.
ونجحت الفتن التي شارك في صياغتها وتنميقها وزراء البلاط وحجاب الخليفة ومقربوه، ومنهم الوزير المخادع عقبة بن مصعب، والفضل بن الربيع، في تحويل غضب الخليفة المهدي عن عمها ظالم وابنه الحارث، والإفراج عنهما، وإعادة تكريمهما.
وهكذا لاحقت العيون الحاسدة والحاقدة موكب ذات الهمة والأمير عبد الوهاب وهما في طريقهما إلى الحجاز ومكة ونجد - المرية.
| زواج عبد الوهاب بالحجاز
ما إن انقضت زيارة الأمير عبد الوهاب وأمه ذات الهمة للحجاز ونجد، بعد أن لقيا كل تكريم من شيوخها وكبرائها، حتى آثرت ذات الهمة التمهيد لزواج عبد الوهاب من ابنة أحد أعمامه في الحجاز، وهو الأمير راشد بن حمزة؛ لزيادة ارتباطه بأهله وقبيلته الحجازية، قبل التمهيد للعودة إلى الجبهة في مالطة، وإعداد العدة للوصول إلى القسطنطينية ومحاصرتها وفتحها، كما سبق للجد الصحصاح فتحها وإعلاء رايات المسلمين عليها.
ففاتحت ذات الهمة عبد الوهاب برغبتها الدفينة في تزويجه والفرح به وبأولاده، ولما
لم تجد من عبد الوهاب رفضا لمطلبها، فاتحت بدورها الأمير راشدا، الذي رحب من فوره مسرعا في عقد القران وإقامة الأفراح.
فأقيمت الاحتفالات التي لم تشهد مثلها الحجاز، وامتدت سبعة أيام احتفالا بالبطل المرتقب عبد الوهاب، المعقودة عليه الآمال العريضة في فتح عاصمة الأروام البيزنطيين، وتحرير العرب المسلمين من أخطارهم، خاصة وأن أمه ذات الهمة بدأت تعاني من تعب المعارك الضارية التي خاضتها الأعوام الطوال.
وبعد تسلمه للإمارة والقيادة التي أضفاها عليه أمير المؤمنين حتى تكشفت قدراته، فأصبح محط كل الأنظار بدءا من أمير المؤمنين وحكماء الحجاز ونجد، ومعظم العواصم العربية مشرقا ومغربا، حتى عواصم الأروام البيزنطيين التي بدأت تحسب له كل حساب. •••
وما إن انتهت الأيام الخوالي التي صاحبتها الأفراح والاحتفالات بزواج الأمير عبد الوهاب بين أهله وعشائره ... بالحجاز، حتى تحركت مواكب ذات الهمة وعبد الوهاب عائدة إلى الجبهة، محاطة بالدعاء والتكبير ووداع الأهل. وما إن وصل ركبهم إلى مالطة ذات مساء حتى تواترت الأخبار حول معاودة الأروام انتهاك شروط الهدنة، وجمع شملهم من جديد بعاصمتهم القسطنطينية، تمهيدا لأخذ المبادرة بالزحف على قلاع المسلمين ومعسكراتهم ومضاربهم؛ استعدادا لإبادتهم تماما.
وسبب هذا يعود إلى الموت المفاجئ للخليفة العباسي المهدي، الذي سبق له مناصرة ذات الهمة وعقد الإمارة لابنها عبد الوهاب، والإغداق عليه بالثروات الطائلة التي عززت مواقعهما بين العرب.
وتولى الخلافة من بعد المهدي أخوه الهادي، الذي نقل إليه وهو على فراش الموت وصيته في رعاية الأمير عبد الوهاب، لما يعقده عليه المهدي من آمال عريضة في مؤازرة العرب في وجه أعدائهم المعتدين والطامعين.