تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن هنا جاءت رغبة ذات الهمة في امتلاك زمام المبادرة من أيدي أعدائها كلما سنحت لها الفرصة في الاستحواذ على أسرار إنتاج سلاح جديد، سواء كان ناريا أو كيميائيا غازيا، يجيء به البطال كعادته إلى مضارب صديقه الوفي الذي أصبح ملازما له كظله، وهو الأمير عبد الوهاب مازحا متهكما كعادته: نجربه - بإذن الله - في جثثهم في المعارك المقبلة، ثم يقارب عبد الوهاب غامزا: سلاح لم ينزل بعد في أي سوق أو بازار.

وحين يكشف عن سلاحه الجديد لعبد الوهاب وذات الهمة يواصل هزله: كما ترون ... أرزاق.

وقد يضاعف من دهشتهم مصرحا: وهذا هو «المستر» أو «السنيور» المخترع بذاته، لكنه لم يفق بعد ... سكران من فجر الأمس على هذا الحال والمنوال. «ويضحك فرحا».

وقد يمضي ممازحا الأسير المخترع بلهجته، شارحا لعبد الوهاب وذات الهمة ما ينطق به الأسير: يقول إنه مبسوط شوية. •••

وما إن تحقق النصر لجيش المسلمين بقيادة ذات الهمة، وتم رفع الرايات والبيارق الخفاقة على معظم المدن والثغور المناوئة التي أعلنت العصيان والتمرد والتحدي لخليفة المسلمين قبل ذلك، حتى هرع على الفور ملوك الأروام وبطارقتهم طلبا للاستسلام والمهادنة على عتبات الخلافة.

وهي المهادنة التي رفضتها على الدوام ذات الهمة؛ بحجة عدم إعطاء الفرصة للأعداء لشحذ النصال من جديد.

إلا أنها لم تجد في النهاية بدا سوى الامتثال لما يراه أمير المؤمنين وكبار وزرائه، بعد أن قبل الأروام بالامتثال وفرض الجزية، ودفع خسائر الحرب كاملة غير منقوصة، وهكذا فرضت الهدنة عليها فرضا.

لكن ما إن نكست النصال، وعمت أفراح النصر الكبير مختلف الأقوام العربية والرومية، واستراح الجميع خلودا للسلم والاسترخاء، حتى اندلعت حرب جديدة أشد ضراوة ضد ذات الهمة وابنها عبد الوهاب.

إذ جدد عمها ظالم وابنه الحارث مطلبهما المؤجل، حول طرح قضية عبد الوهاب على حكماء الحجاز وبغداد لحسم الأمر ودون إبطاء، ودون إعطاء ذات الهمة الوقت الكافي لترطيب جراحها الثقيلة من أثر المعارك الضارية التي خاضتها.

ولم يجد أمير الحملة عبد الله بن سليم حجة يسوقها سوى ضرورة الامتثال لما اتفق عليه.

كما لم تجد ذات الهمة مهربا أمام إصرار الجميع على إعادة عبد الوهاب إلى مضارب الأهل، حتى أبيها مظلوم ساند أخاه ظالما وابنه، وزاد الطين بلة إصرار عبد الوهاب نفسه على الرحيل إلى مضارب الأهل في مكة والحجاز ونجد - المرية - وهو الذي ولد وترعرع في ساحات الحرب والجهاد والاغتراب بعيدا عن موطنه الحجاز.

وهكذا وجدتها ذات الهمة فرصة أجمعت عليها المشورة، فآثرت الرحيل عقب الانتهاء من تنظيم أمر البلاد المفتوحة، وشحن السبايا والآلاف من رءوس الأسرى وكنوز البلدان المفتوحة إلى عاصمة الخلافة. •••

ويوم الرحيل، استعدت المراكب والسفن المكدسة بالسبايا، والجنود الزائرين لأهاليهم، وثروات الحرب، وعينات الأسلحة الجديدة.

واعتلت هي وابنها عبد الوهاب وأبوها سفينتها.

والأمير عبد الله وابنه عمر، وظالم وابنه الحارث سفنهما.

وأقلعت المراكب العربية عائدة إلى مقر أمير المؤمنين، تسبقهم الأخبار بالنصر وفرض الجزية، فما إن دخلوا عاصمة الخلافة حتى فوجئوا بها مزدحمة كيوم الحشر بالآلاف المؤلفة التي قدمت من كل صوب لاستقبال ذات الهمة وابنها عبد الوهاب، محملين بالعروش والتيجان، ونفيس الجواهر والهدايا، وصفوف السبايا والأسرى.

فضربوا مضاربهم على مقربة من قصر أمير المؤمنين المهدي - والد هارون الرشيد - الذي سارع لاستقبالهم والترحيب بذات الهمة وعبد الوهاب، متسائلا عما دفع بهم إلى العودة على هذا النحو، دون أن تغفل عينه من تحسس أمر الإسراع بالمجيء بعدتهم وعتادهم وحسم قضية عبد الوهاب.

إلى أن انبرى الأمير ظالم وابنه فطرحا أمر الخلاف حول شرعية زواج ذات الهمة من الحارث، ثم التطرق لانتماء عبد الوهاب ابنهما شرعا وبشهادة الخليفة.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٣٩