تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان جندبة قد استقر رأيه في الأيام الأخيرة على ضرورة شد الرحال إلى الأراضي الحجازية؛ لطرح الأمر وأخذ المشورة.

هب جندبة من غفوته متخذا طريقه عبر ردهات قصره إلى مخدع زوجته «الرباب»، مستهديا طريقه بنصحها، ورجاحة عقلها، وبصيرتها الصائبة.

وحين تحسست أذن الرباب حفيف أطراف عباءته صرفت من فورها جارياتها، بعدما أمرتهن بإعداد القهوة والفاكهة وحليب المساء.

ومن فورها عاجلته بما يعتمل في خاطره ذلك المساء: هل آن أوان الرحيل للحجاز؟ - نعم يا رباب ... فرأس المشورة وتاجها الراجح بالحجاز وأم القرى.

ضحكت الرباب وهي تأخذه بيده ليحط إلى جوارها على أريكتها: أنا جاهزة.

ضاحكها قائلا: أنت دائما جاهزة يا رباب ... رغم ...

لم يكمل جملته، فقد التفت من فوره محيطا بيديه الاثنتين خصرها في حرص شديد: ليتني يا رباب يمتد بي العمر ... حتى أشهد وليدنا ...

اندفعت الرباب معلنة: الصحصاح.

قبل جندبة بطنها: أجل، هو الصحصاح.

كان فكر الرباب منشغلا بالقرار المفاجئ الذي اتخذه زوجها «جندبة» بالرحيل إلى الحجاز، وهي على هذه الحال من الإعياء حامل في شهرها السابع تعاني آلام حملها الثقيل.

ورغم أن هذا الفصل من السنة كان أشقها على جميع خلق الله، قيظا وسهلا، فإنها لم تعط بالا لآلامها ومعاناة حملها.

بل هي كانت مشغولة البال، غائبة عن وعيها لا تجد لها ناصحا أو معينا؛ فزوجها «جندبة»

مريض يعاني الليل بطوله حتى تغمض جفونه، فيستسلم بين أحضانها للسهاد.

صحيح أنه لم يجهر لها بشكواه مما يعانيه من آلام المرض الذي ألم به كاسرا باطشا على هيئة حمى في البداية، إلى أن حملت الرباب خبر مرضه إلى شيوخ القبيلة وحكمائها، دون أن تجرؤ على استقدام حكيم يطببه ويحقق له الشفاء.

كان جندبة يكره الحكماء والمطببين، لا يثق أبدا في وصفاتهم وما يشيرون به،

وكان حين تفاتحه في الأمر يطرق مومئا: يا رباب ... الشافي هو الله. •••

كانت «الرباب» تدرك أن الطريق إلى الأراضي المكرمة محفوف بالمخاطر، والقيظ يطبق على الأنفاس، وهي لم يسبق لها أبدا معارضة رغبة أو قرار لزوجها، الذي أصبح مثقلا بهموم المسلمين مهما كانت بساطة ذلك القرار وتلك الرغبة، فما العمل والرغبة هذه المرة هي الرحيل وهدم المضارب؟

تسندت الرباب على كتف إحدى جواريها المقربات بعدما أفضت لها بهواجسها، واندفعت من فورها متخلية عنها، مشيرة إلى نسائها وجواريها بجمع حاجيات زوجها أولا، والحرص على ملابسه وخصوصياته وعتاده وكتبه التي أوصاها أول ما أوصاها بالحفاظ عليها، خاصة خزانة الخرائط التي لم تكن الرباب تفهم منها شيئا بأوراقها الصفراء وجلودها الملونة، والتي كان جندبة يفرد بعضها متدارسا مع بعض فرسانه ليلا في أيام الشباب الخوالي.

تنهدت الرباب: رباه.

فالله وحده يعلم ما بها من آلام الحمل والخوف من مخاطر الطريق وشروره، لكن ما باليد حيلة إزاء رغبة زوجها المتلهف للرحيل إلى مكة، ودون أدنى اعتبار لما وصل إليه من وهن

وضعف نتيجة لما خاضه وقاساه من معارك، وما لحقه ودفع بدمه إلى النزيف مدرارا.

كيف العمل وآلام حملها هي أصبحت لا تترك لها لحظة صفاء، وكأن وليدها - الذي وافقها زوجها جندبة على تسميته بالصحصاح - يعاني هو الآخر في أحشائها معركة ضارية في سبيل تحقيق تواجده وبقائه.

وحين تذكرت الرباب وليدها القادم الصحصاح انفرجت أساريرها فرحة مستبشرة، وهبت من فورها في حماس مفاجئ، معطية أوامرها بالإسراع بالرحيل. •••

بل إن الغريب في الأمر أن «جندبة» كلما خاض معركة في حرب أو منازلة فروسية وألم به جرح كبير أو بسيط، يدفع به إلى ملازمة فراشه، نهبا للآلام القاسية التي يعانيها، لم يكن يسمح للرباب بإحضار حكيم أو طبيب مداو. وما أكثرهم على طول مضارب القبائل!

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٤