2
والهدف الرئيسي لسيرة ذات الهمة هو التأريخ لسلسلة الاعتداءات والحروب الخارجية الطامعة في الدولة الإسلامية الوليدة، وهي الحروب الرومانية أو الرومية البيزنطية، وهو ذات الدور الذي اضطلعت به سيرة
3
عمرو النعمان في مواجهة الأخطار والاعتداءات الآرية الفارسية آسيا الصغرى، وكذلك سيرة الأمير حمزة البهلوان.
بمعنى أن الهدف الأسمى لمثل هذه السير، وكذلك المناخ الذي توجد وتتكاثر فيه هو بالتحديد الأخطار المحدقة الخارجية، ومع هذا لم تغفل سيرة الأميرة ذات الهمة التسجيل والتأريخ للأحداث الداخلية ذات الصبغة السياسية، ومن ذلك أزمة نكبة الفرس البرامكة في مطلع الخلافة العباسية، التي يرد ذكرها من منطلق التأريخ الشعبي في سياق أحداث السيرة، وهي الأحداث التي وقعت منذ القرن التاسع الميلادي، حين أقدم الخليفة هارون الرشيد على اغتيال جعفر بن يحيى البرمكي وزيره الأول أو رئيس وزرائه.
وترد تلك الحادثة ضمن أحداث السيرة مرتبطة بإحدى العواصم أو الثغور التي استعمرها البحارة الفلسطينيون، وهي جزيرة مالطة، وكيف أمر الخليفة هارون الرشيد ببنائها وتعميرها وهو في طريق عودته من إحدى غزواته إلى حاضرة خلافته بغداد «حين جمعوا الصناع والبنائين من سائر البقاع».
4
وحين عاد إلى بغداد حدثت الواقعة أو الوقيعة بين الرشيد والبرامكة.
ولا تغفل السيرة ربط نكبة البرامكة بأحد أبطالها المحاربين، وهو الأمير عبد الوهاب، الابن الوحيد الوريث لذات الهمة، والخصم الأزلي لشخصية ترد خائنة متآمرة
5
تقف في صف الروم، ويدعى عقبة، وكيف أزعجته العلاقة بين جعفر بن يحيى الوزير الأول، وبين الأمير عبد الوهاب الفلسطيني ابن ذات الهمة، فدس خطابا بمساعدة الفضل بن أبي ربيعة مليء بالتآمر ضد الخليفة بين طيات عمه جعفر بن يحيى البرمكي، اكتشفه الخليفة وأنزل النكبة الانتقامية بالبرامكة، التي أحدثت بالتالي أثرها بالنسبة لمجرى أحداث سيرتنا هذه «ذات الهمة»، التي تجري أحداثها المركزية ما بين الثغور الفلسطينية العربية وبين دمشق وبين جزيرة مالطة - أو مالطية - المتاخمة لشمال فلسطين.
كذلك لا تغفل السيرة عن ذكر بناء وتعمير المدن؛ مثل: مالطة، وأيضا بغداد حين شادها الخليفة المأمون على نهر دجلة، حين أعجبه الموقع فأسماها باسم راهب كان يسكنها وأرضه «باغ-داد».
6
كذلك يرد في السيرة بكثرة ملفتة ذكر المدن والثغور الفلسطينية: غزة، حيفا، يافا، بالإضافة طبعا إلى مالطة المتاخمة، والتي كانت في موقع الدفاع الأول عن الساحل الفينيقي - من فلسطيني وسوري ولبناني - على طول عصورها، وبخاصة أكثر من مطلع العصور الوسطى التي تؤرخ لها سيرة ذات الهمة العملاقة، التي لم تجد بعد الرعاية الكافية.
وفيها يرد تطور أسلحة الحرب والقتال بدءا من المفرقعات التي تدعوها السيرة بالنار الإغريقية، كما يرد الكثير من الوصف الإنثوجرافي للكثير من المدن والكنائس والكاتدرائيات، ومنها كنيسة آيا صوفيا، وحياة الشعوب والكيانات الأوروبية، بدقة مدهشة، منذ مطلع القرن التاسع الميلادي.
شوقي عبد الحكيم
| الصحصاح ينازل ملك الروم
ذاع صيت الأمير العربي الفلسطيني «جندبة» بن الحارث، حتى أصبح حديث القبائل تتناقل مأثوراته وأخبار مروءاته وفود الشعراء والحكواتية والمداحين على طول ربوع الشام والجزيرة العربية بأسرها.
كان جندبة دائم التفكير في الأخطار المحدقة المحيطة بالعرب والمسلمين، أخطار تقلقه وتقض مضاجعه.
فعبر البحر قاتم الزرقة تنسج المؤامرات وتحاك الخطط للهجوم على الخلافة الإسلامية الوليدة، وكم بعث الأمير الهرم جندبة برسله إلى خلفاء بني أمية ليطلعهم على ما يحمله هواء البحر من أخطار أقوام الروم البيزنطيين وحشودهم، وعيونهم غير الغافلة عن تلك الصحارى والوهاد، التي لا بد يوما وأن تطأها جحافلهم الهمجية.