فكانت في كل مرة تقارب فراشه سائلة: لا حل لجرحك وما تعانيه يا جندبة سوى الإسراع باستحضار الطبيب، إلا أن جندبة ظل على الدوام، وكما لو كان بينه وبينهم عداء، لا أمل من التئامه يوما.
لكم تذكر الرباب جراحه التي ألمت به على طول ما خاضه من معارك ومنازلات على طول الثغور والموانئ، التي كان جندبة يعاني الأمرين في أهمية تأمينها ضد كل غاصب.
هي تذكر جراحه في الأناضول، وتذكرها في الحمراء وغرناطة، وكريت ... وآمد ... وعمورية.
لكم عانت الأمرين وزوجها وابن عمها مستلق طريح فراشه، يتألم في صمته وفي وحدته دون حتى أن يسمح لزواره من شيوخ القبائل ورسل الخليفة أمير المؤمنين في دمشق بزيارته وهو في أقصى حالات آلامه، مطلقا العنان لأفكاره وهواجسه المصاحبة لمسير المعارك واتجاه الحرب الطاحنة الدائرة، التي لم تكن لتغيب عنه وعن مخيلته أحداثها وأطوارها لحظة بلحظة.
إلا أن الرباب لن تنسى ما حيت لحظات عودة جندبة المنتصر مجللا بأقواس النصر، ودماؤه تنزف على جسده وساعديه كمثل أرجوان أحمر دام. •••
نزل الأمير جندبة وزوجته الفاتنة «الرباب» بواد مزهر بأرض الحجاز، ونصب جنده وحرسه المضارب على قمة ذلك الوادي الفسيح، المخضب بروائح المسك ونبات الريحان والورود البرية، تخالطها روائح الذبائح المشوية، وأقيمت الاحتفالات الليلية التي كانت توليها «الرباب» عناية خاصة لإدخال السرور على قلب الأمير المثقل بعذابات العرب على طول صحاريهم ووهادهم؛ لما يحيطهم من أخطار لم تخفت نيرانها يوما، أو حتى لحقبة أو لومضة.
ارتفعت أصوات الموسيقى وإيقاع رقصات الدبكة يخالطه إيقاع المجرودات والمعلقات العربية، وجاء صوت الشاعر مشحونا معبرا وهو يصف الغدر المكين لحربة «جساس بن مرة» تخترق ظهر الجد الأكبر، عمود السرايا، «كليب» ملك العرب:
ضربه بها وتمكنت في حشاه
نفد الخشب قرطين من سرته.
يا لها من لحظة غادرة دائما ما يكرهها «جندبة»، وتسيل لها دموعه مدرارا على وجنتيه!
وفي تلك الليلة القمرية اشتدت شجون «جندبة» لزوجته وابنه الذي أسمياه قبل ولادته ب «الصحصاح»، فانتقل إليها وتمدد في إعياء داخل خبائها، وأفاض في الحديث عن ولده، وأهمية إرضاعه منذ المهد كره الأعداء مع لبن الأم.
ومات «جندبة» قبل أن يكمل مشواره، وشقت عليه البنات والأمهات الصدور، وبكته النائحات،
ودفن بوادي الصفا والمروة. •••
وحين ولد «الصحصاح» متخليا عن بطن أمه الرباب، ولد في العراء ... بريا كوحوش الصحراء.
ولد يتيما مغتربا محاطا بحنان الأم الكسيرة، التي أرضعته عبر شواطئ البحار القاتمة البعيدة.
ومنذ نعومة أظفاره تربى «الصحصاح» وشب على ظهور الخيول العربية التي أحسن اختيارها ومعاشرتها، تربى على عتاد الحرب والجهاد انتظارا لليوم المشهود الذي تنبأ به الأب الراحل يوما عبر وهاد الحجاز.
وهي النبوءة التي أطلت برأسها يوما باتجاه التحقق على رمال الصحراء.
تلحف «الصحصاح» اليافع بالعراء، وغفا ثم تيقظ على شبح شيخ مسن بيده مقبض جواد شهير عالي الهامة بين العرب يدعى «اللاحق»، وهو من أمهر خيول «بني مرة»، هامسا في أذنه: ما خابت التربية فيك يا «صحصاح» يا ابن «جندبة».
وأغدق ذلك الشيخ المحسن العطايا «للصحصاح» من خيول وجمال بأحمالها، وخيول ورءوس أغنام ورعاة وجند وسيوف عواقل.
ومنذ شبابه المبكر، تبدت فروسية الصحصاح بين القبائل حين تصدى لملوك حضرموت في عشرين ألف فارس، وحين حالفه التوفيق فأنقذ ابنه الخليفة «مروان بن عبد الملك» وامتطى فرسته الشهباء، فكافأه الخليفة بالمجيء إلى عاصمة الأمويين.
ودخل أبواب دمشق محاطا بجنده من أبناء الأمراء وهم يرشونه بالملح والجوهر والبلخشن، إلى أن دخل قصر الخلافة، فاحتضنه الخليفة سائلا عن حاله، فأنشد: