تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل أفضل نموذج لجيل ذلك العيار العجوز ثعلبة بن الحصين مكيدته التي أحكم تخطيطها وتنفيذها، فتم لذات الهمة عن طريقها اقتحام آخر حصون وقلاع مالطة التي صمدت أمام الجيش العربي طويلا، وهو الحصن الذي احتمت به الأميرة «باغة».

إذا أوقعت الظروف كتيبة هائلة من جند الأروام العائدة مظفرة إلى الحصن، تقود أمامها كتيبة من أسرى المسلمين، وهنا أشار الحصين بقتل قادة الأروام وارتداء ملابسهم على ذات الهيئة التي كانوا عليها، ومواصلة المسيرة إلى الحصن الذي ما إن انفرجت بواباته منفتحة تهليلا بالنصر، حتى تم لذات الهمة وكتائبها الاستيلاء على الحصن وقلاعه الملحقة، والوصول إلى مخدع الأميرة باغة ومنازلتها وقطع رأسها.

وعلى هذا النحو المخادع شرب العيار الجديد أبو محمد البطال من ذات النهل المتوقد الذكاء؛ من أستاذه ثعلبة بن الحصين، إلى أن تفوق عليه مكرا وحيلة، وهو الذي ولد وشب عن الطوق منذ مطلع صباه في أحياء الأروام، فتعلم منهم أكثر مما تعلم من أبناء جلدته العرب.

وساعده في هذا تكوينه الجسدي الرقيق، وذكاؤه المتوقد كحد النصل، وخفة ظله في الإيماء والتحول وجذب الانتباه والسخرية المضحكة.

ومنذ صباه أبدع البطال في جمع المعلومات المفيدة لذات الهمة، إلى درجة دفعتها إلى احتضان الغلام البطال ، وتعهده بالرعاية، وتيسير سبل إلمامه بلغة الأروام، إلى أن أصبح عينا لها يجوب عواصمهم وموانئهم وبلدانهم دون كلل.

بل إن ذات الهمة تعمدت محادثة ابنها عبد الوهاب عنه، والإشادة به كجني صغير ... خارق.

حتى إذا ما التقاه عبد الوهاب متوثب الحركة كجرذ صغير نبتت على الفور بذور صداقتهما وأينعت، إلى حد حال بينهما وبين الافتراق ليل نهار، وعمل الاثنان كفريق متكامل، فتولى البطال

القيام بالتجسس، وتفرغ الأمير عبد الوهاب لدراسة معلوماته ووضع خطط المواجهة.

فقد برع البطال في مهامه، وأولها تصيد أسرى الأروام السكارى وهم يتطلعون إليه أو إلى أتباعه في بلاهة واستكانة من تأثير الخمر، فيقودونهم إلى سفن المسلمين المستترة الرابضة، ولتعود بهم وبأسلحتهم الجديدة في جنح الظلام إلى مضارب المسلمين وهم لا يزالون موغلين في سكرهم.

كما تفنن البطال في استخدام البنج والمساحيق أو الشموع المنومة ليتصيد بها فرائسه في وضح النهار، بعد أن يبدأ الحديث معهم ومداعبتهم بلغاتهم التي أجادها نتيجة معاشرته إياهم، ولم يكتف بذلك، بل توصل إلى معرفة مشكلاتهم، ومحاولته اقتراح الحلول لها، وتقديم هدايا المشرق لهم التي كانت تستهويهم بألوانها وتصميماتها وزخارفها البهيجة الباهرة.

وقد ضمت مجموعة هداياه منسوجات دمشق ومصنوعاتها الخشبية والمعدنية، وكل ما هو مصنوع من الفضة والزجاج والسيراميك، فضلا عن الأرجوان وصور الحريري الأحمر، وأكداس الأحجار الكريمة من عقيق سليمان وياقوت وكهرمان حجازي، كذلك المنمنمات الإسلامية على هيئة أيقونات، وأغلفة

كتب، ومطروقات نحاسية مطعمة بثمين المعادن كالفضة والذهب.

لذلك أغدقت ذات الهمة على البطال وأتباعه من العيارين العطاء؛ نظرا إلى أهمية خدماتهم المقدمة إلى جيش المسلمين، سواء ما تعلق منها بأدق المعلومات والخطط الغادرة ضد الجيش العربي، التي كان يبدع في وضعها الأعداء، أو جلب الأسرى من أبرز مهندسي أسلحة الحرب الجديدة ووسائلها وأسرارها الدفينة، من داخل معسكرات وورش صنع أسلحة الأروام المستمرة دائما في التقدم والتحسن لإحراز النصر السريع في مواجهة تقاليد الحروب العربية، التي تستلزم المواجهة والفروسية.

وهو ما لم يعد نافعا لإحراز النصر؛ نظرا لتطور الأسلحة الجديدة التي تعتمد أولا وأخيرا على عنصري المباغتة والحركة، دون أدنى اعتبار لتقاليد الفروسية والمنازلة وجها لوجه.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٣٨