تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحاولت الرباب إرضاع الوليد إلى أن غفى بدوره؛ مما أتاح للأميرة لحظة نوم وراحة.

عادت الرباب من جديد تتفرس في وجه الطفل عبد الوهاب وهو بين ذراعيها، يضع يده اليمنى الدقيقة الأصابع على وجهه وجبهته كمن يخفي عن الآخرين أمرا، وتمتمت: مسكينة ... فاطمة.

كانت الرباب تعني ذات الهمة، وما لم تعانيه بعد من صراعات ومشاكل ستحط على رءوس الجميع بسبب هذا الوليد الذي هو الآن بين كفيها، والذي حاولت مرارا وتحت إصرار وإلحاح ذات الهمة إجهاضه من بطنها منذ البداية، قالت الرباب لنفسها: حرام.

إلا أنها إرضاء لسيدتها التي أصبحت ومنذ تكون - الغلام - عصبية متوترة الأعصاب، بدأت تنشغل في تحضير الوصفات التي تتيح إجهاض ما بها قبل أوان نزوله وولادته على هذا النحو.

ترددت على مضارب البدو وقابلات ومرضعات الأعراب بحثا عن «وصفات» الإجهاض، دون أن تفصح - بالطبع - عن أن الأمر يخص الأميرة ذات الهمة وحادث حملها ذاك.

وتكسرت جميع المحاولات والنصال للنيل من عبد الوهاب، الذي علا بدوره غطيطه بين ذراعيها كمن آثر الإذعان للحظة صفاء تتيح لأمه المجهدة النوم.

تساءلت الرباب في ترحم: نوم ... من أين يجيء النوم؟

فبعد أن حلت الوقيعة بالجميع أصبح عسيرا مجرد إغلاق جفني العينين ... والنوم.

صحيح أن ذات الهمة تحاول ذلك فتخلد مكومة أكداس الوسائد فوق رأسها، وتكبسها بذراعيها الاثنتين، لكن ما إن يحدث وتنام حتى تعاودها كوابيسه كمثل حصار يكتم كل نفس.

حصار تجد فيه نفسها مهددة بالحارث وعمها ظالم، وطابور طويل من الأشباح لا ملمح لهم من الحاقدين والمتآمرين والمتسلطين والشامتين وموقعي الفتن.

ناهيك عن الأعداء الذين أذلت هاماتهم، وفتحت ثغورهم وموانئهم ومدنهم الحصينة مواصلة تقدمها إلى عاصمة الخلافة، لتعلو بواباتها وحصونها، وكان آخر هذه الأحلام دك أسوار هذا الحصن الحصين لآخر معاقل جند الأروام، واقتحامه بجنودها وكتائبها الخاصة، والوصول إلى غريمتها التي صمدت لها سنوات، والتي عمت شهرتها المشرق قبل المغرب حول قيادتها لجند الأعداء، ووضع الخطط لقطع الماء على جند المسلمين، وإيقاعهم في أسرها، وسبيها الآلاف منهم، إلى أن تمكنت ذات الهمة من التقدم وإلحاق الهزيمة بجنود الأروام، وتحرير أسرى العرب، ومحاصرة قصر أميرتهم وقائدة جندهم «باغة» ابنة الملك ليون الأيزوري - أو «لاوون» - لحين إخضاعه وإسقاطه، والوصول إليها ومنازلتها في الميدان وجها لوجه، إلى أن تمكنت منها فجزت بحسامها رأسها عن جسدها، وقيام عمها ظالم بحمل الرأس ضمن الكنوز المسبية إلى عاصمة الخلافة، استنفارا للهمم، وحلول اليوم الموعود بالوصول إلى أصل الداء والعدوان والتربص؛ أي القسطنطينية - العاصمة - ذاتها، لدك أسوارها، وفض عدوانها المبيت منذ عهد جدها الأول الصحصاح ومن سبقوه من جدود وأسلاف.

وبدا الأمر لذات الهمة فيما سبق شهور وضعها أقرب إلى حلم نبيل، أصبح الآن وبعدما حدث بعيد المنال والحدوث.

فأين هي الآن من الحرب والقسطنطينية؟ إن حربها التي فرضت عليها فرضا وقسرا أصبحت هنا داخل قصرها ... وأقرب إلى مخدعها.

كيف يتسنى لها بعدما حدث إعادة الصحوة وشحذ الهمم للجهاد وصولا إلى الهدف المرتقب ... القسطنطينية، التي لن تقر للجميع عين طالما ظلت تبعث بجيوشها المدججة الموجة إثر الموجة إلى عاصمة الخلافة ذاتها، وحرقها بمن فيها أحياء؟

أين هي الآن من الحلم القديم الذي خبا؟

يكفي ما عانته وما سيستجد عليها من كوارث المولود الجديد، الذي أضفى شرعية ما بعدها شرعية على زواجها من ابن عمها الحارث ... أضفى كل شرعية حتى على أحقية اغتصابها، وتقويض هامتها بين الجميع، الأهل ... قبل الأعداء.

تسندت الأميرة ذات الهمة في إعياء وهي تمد ذراعها إلى آخره، جاذبة كومة التقارير والمعلومات التي جمعها البصاصون والعيارون من داخل المدن الرومية، وخاصة القسطنطينية، حول الاستعدادات الأخيرة التي تفجرت مطالبة بجمع الصفوف وحشد الهمم انتقاما لمقتل أميرتهم «باغة».

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٢٩