تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبدت ذات الهمة كالمشدوهة، بل هي غابت بالفعل عن كامل وعيها وهي تعيد قراءة أحد هذه التقارير التي وصلتها من داخل عاصمة الأروام، وبالتحديد من أهم مراكز صنع القرار، وهو قصر الملك لاوون وليون الأيزوري، وفيه يذكر التقرير بوضوح أن الروم الأعداء على معرفة يقينية بما يحدث ويجري لذات الهمة وما أصبحت تعانيه، كما أنهم على معرفة بدور الانقسامات العربية التي وقعت بين الجيوش والقبائل العربية.

أعادت ذات الهمة قراءة التقرير الذي امتلأ وفاض بصنوف الشائعات المغرضة، التي بالغ في إطلاقها الأعداء، إلى حد تصويرها جريحة طريحة الفراش تعاني سكرات الموت المحقق، نتيجة لتعرضها لمحاولة اغتيال من جانب عمها الأمير ظالم وولده. - الموت!

بل والأكثر إيلاما إلى حد الحسرة أن من بين الشائعات، التي أثارها الأعداء وتناقلوها فيما بين عاصمة وأخرى حول ما حل بذات الهمة على مدى السنة الأخيرة من القتال، شائعة تقول: إن ذات الهمة قد خبا نجمها، وإن عمها ظالما ومعه بعض الفيالق والقبائل الحليفة تمكنوا من النيل منها لدى خليفة المسلمين، إلى حد استصدار أمر بتنحيتها عن رأس القيادة للجيش العربي.

تساءلت وهي تتقلب في فراشها: إلى هذا الحد!

هبت من جديد معيدة قراءة صورة التقرير الذي ذيل بتوقيع مزيف لأمير المؤمنين الخليفة المهدي في بغداد، والذي وجه إلى أمير الحملة عبد الله بن علي موليا إياه القيادة العامة بعد تنحية ذات الهمة «التي تعاظم شأنها، وقويت شوكتها في السنوات الأخيرة.»

وهنا خفت حدة غضب واندهاش ذات الهمة إلى حد التهكم الأليم، من الكيفية التي يختلق بها الأروام الأعداء أكاذيبهم وتلفيقهم إلى حد إعادة تصديقها، وإتاحة أقصى درجات انتشارها على طول العواصم الأوروبية المتربصة بالعدوان للعرب: يا له من غل!

وحين وصل صراخ الوليد عبد الوهاب إلى أذني ذات الهمة قطع عليها حبل أفكارها، فبدت وكما لو كانت تنصت إلى أصل الداء ومكمنه، وهنا لم تجد لها مهربا سوى الاسترسال في النوم والاستسلام لسلطانه.

| عبد الوهاب يعود إلى الحجاز ومكة

عندما هبت ذات الهمة من نومها مندفعة جالسة في منتصف فراشها، عقب إغفاءة ولادتها المتعثرة لابنها عبد الوهاب، كمن قررت أمرا خاطفا أصرت عليه، هزت من فورها جرسا معلقا بالفراش بالقرب من

رأسها، لاستدعاء جاريتها: رباب ... رباب.

فتح الباب في حذر، وأطلت منه الجواري والوصيفات المستطلعة لما بها، فأشارت لهن بالابتعاد: اتركنني وحدي.

اندفعت الرباب داخلة محتضنة عبد الوهاب بكلتا ذراعيها، بعد أن غسلته وألبسته، متقدمة في حبور من فراش ذات الهمة، التي فتحت ذراعيها لتتلقفه متأملة: يا ربي ... أسمر اللون.

وكانت تلك هي اللحظة الأولى التي صفا فيها بالها لتتأمل غلامها في حنو، وهو إحساس لم تكن لتعرفه أبدا ذات الهمة التي ولدت على الحرب والسبي وحياة الكر والفر والغزو.

هزت رأسها موافقة جاريتها الرباب على أن الخيرة فيما اختاره الله حقا: أبيض أو أسود.

كان وجه الغلام عذبا يفيض سماحة وهو يفتح عينيه في ثبات متأملا وجه أمه وكأنه يقرأ عن يقين ما يعتمل في أعماقها بفراسته المبكرة.

قبلته ذات الهمة وأرقدته إلى جانبها في حرص، ونزلت عن فراشها متجهة إلى حمامها الملحق بمخدعها وهي تئن قليلا في إعياء كظيم.

وحين عادت أمرت الرباب بصرف جميع الفتيات حازمة أمرها على الانفراد وإعمال التفكير المضني؛ بحثا عن أقرب الحلول وأسلمها وأبلغها بالنسبة إلى الوليد عبد الوهاب.

ولم يكن أمامها سوى مسلكين، فإما أن تواجه الجميع متحدية، معلنة وضعها لوليدها عبد الوهاب من الحارث بعلها وابن عمها، وفي مثل هذه الحالة عليها أن تتقبله كزوج ورجل، حتى بعدما اقترفت يداه من عمل خسيس متلصص لا يليق أبدا برجل وفارس، وإما أن تواصل طريق معاداته على ما اقترف، وترصد لحظة الانتقام منه وما أيسرها في حالة ذات الهمة ويدها الطولى، التي لا بد وأن تصل إليه أينما كان، وتحت أي سماء، لتشفي غليلها منه، بل ومن أبيه عمها ظالم ذاته.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٣٠