تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما لو كان يعاني رفضا داخليا متأججا، وينشد بكل جوارحه عالما أفضل، وأكثر استشراقا، وأقل تآمرا، من ذلك العالم الذي يضني الأم إلى حد الإقدام على اغتيال وليدها في فراشه.

كان كل ما في عبد الوهاب الرضيع ينبئ مشيرا بالتمرد، ونبل الآمال والمقصد، حتى إن النساء

المرضعات تجمهرن مسرعات من كل جنبات القصر، ورحن يتزاحمن من حول الرباب وهي تحمله وتضمه إلى صدرها، محاولة تهدئة ثائرة غضبه وهو يركل الهواء بأطرافه الأربع، مطلقا عقيرته بالصراخ، وكما لو كان يبغي العودة إلى حيث دفء فراش أمه ذات الهمة.

وحين حاولت بعض الفتيات التكوم والإطباق عليه وهن يتأملن ملامحه الصارمة، والذي جاء مولده وسط أجيج الحرب المستعرة على كل الجبهات من حوله وأمه، دفعتهن الرباب مبعدة إياهن في حدة: ابعدن ... ابعدن.

كانت الرباب متعثرة، تتحرك مهدهدة الوليد بين ذراعيها، وكانت بحق تعاني مما أصاب ذات الهمة في شهورها الأخيرة، ومنذ أن أقدم ابن عمها الحارث على فعلته الشنعاء وفر هاربا هو وخادمها المقرب، أخوها في الرضاعة مرزوق، مخلفين فاطمة في آلامها وأوجاعها، وما حط عليها من سقم فأحال سمرة وجهها إلى صفرة بادية للعيان.

تركها الحارث ومرزوق تضرب أخماسا بأسداس، تمضي الليل بطوله ذاهلة غائبة عن وعيها لا تعرف لها منفذا مما ألم بها فجأة وعلى غير انتظار، عقب حادثة الاغتصاب المروع، وما ترتب عليه مستجدا، من حمل ثقيل أعجزها عن مواصلة القيام بأعبائها الهائلة التي تفت من عضد وكيان أرفع الرجال الشجعان شأنا في قيادة جيش المسلمين في مواجهة أمم الإفرنج المهاجمين.

كانت مربية ذات الهمة الرباب تعاني من تكتم ما يعتمل في رأس ذات الهمة المشتعل بالتفكير دون هوادة ليل نهار، وكانت تسائل نفسها: مسكينة حقا فاطمة ... ماذا تفعل؟

وكانت قد بدأت تدرك مكنون تلك التحولات الفاجعة التي طرأت على الدلهمة، ومنها تلك النظرات المغموسة من مستنقع الشك والارتياب لكل ما تقع عليه عيناها الفاحصتان الصقريتان.

ما من إنسان لم تعد ترتابه فاطمة وتحذر مأربه، حتى أقرب مقربيها من أمراء وقادة وجند وحجاب وحرس وجوار.

بل حتى هي ذاتها الرباب أصبحت تتلقى نظراتها المتقلبة في محجريها كمثل جمر مشتعل بغضاضة مسرة لنفسها: من حقها. خاصة بعدما حدث بالتحديد من جانب وصيفها المقرب

مرزوق الذي هو في موقع الأخ منها.

غفت ذات الهمة في سباتها، وعلا من جديد شهيقها وغطيطها، وكأنها أصبحت تجد في النوم سلواها لترطيب آلامها الجارحة التي ألمت بها على طول الأشهر التسعة الأخيرة.

وهي الآلام التي ترتبت على ما سببه لها الحارث ابن عمها، وبمساعدة صاحبها المقرب مرزوق، والتي لم تبرأ من مصائبها بعد، خاصة بعد ولادة ابنها هذا الذي لم ينقطع بعد صراخه في أذنيها، رغم غلالة النوم والإغفاء التي تجد فيها مرفأها الآمن هربا مما يحدث، وما ستخبئه الأيام والسنون لها من مفاجآت يشيب لها شعر الوليد.

مفاجآت تقصر أمامها وعندها هامات الحرب والقتال والمنازلة التي لم يخف بعد أوراها.

فللقتال والجهاد المضني قوامه، ومعالمه واضحة القسمات والزوايا.

أما قتالها المستجد الذي حط عليها منذ الأشهر التسعة الأخيرة، فلا ملمح ولا قوام ولا معلم له.

ذلك أن مجاله هنا هو الخفاء والإظلام، وأقصى درجات الغموض والتآمر السري والعلني، ومن قومها ولحمها بالذات؛ أي من ابن عمها وعمها بالذات.

قتالها مجاله ذلك الوليد عالي الصراخ الذي يطن في أذنيها، وكأنه يبغي طرد أدنى لحظة صفاء ومهادنة لذات الهمة التي أضناها حمله. - أما من مهرب؟

بدت وكما لو كانت تعاني - في غفوتها - أثقال كوابيس تحيط بها من كل جانب، لا تجد لها منها فكاكا، ولم يكن يصلها من الأصوات سوى بكاء الوليد الذي لم تحجبه الأبواب المغلقة، ولا الشرفات، ولا الستائر المسدلة في إحكام، ولا حتى بصيص الضوء الخافت لشمعدان مثمن الأفرع، لم يشعل منه سوى فتيل مفرد إلى جوار رأسها حرصا من الجميع على راحتها.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٢٨