كل هذا وذات الهمة طريحة تتحسس بيديها الاثنتين بطنها الذي يعلو منتفخا يوما بعد يوم.
كيف التصرف إذن وهي التي حرم عليها مجرد امتطاء صهوة جوادها، وأصبحت تقطع الفراسخ المتباعدة مشيا كلما عن لها المرور اليومي على معسكرات ومضارب ومراسي سفن المسلمين، تحسبا لحالة الحرب القائمة على قدم وساق منذرة بالموت والدمار المعجل الذي يحوم على رءوس الجميع.
ووصل الانزعاج بذات الهمة إلى درجة أن الأعداء لا بد وقد أصبحوا يعرفون ما بها؛ ذلك الذي لم يعد خفيا على أحد، فما بال الأعداء المتربصين؟
كيف أنها حامل في شهورها الأخيرة تعاني آلام وغثيان الحمل والطلق والولادة، وهي الفارسة المحاربة التي أصبحت الآن حبيسة جلسات النساء، من مولدات وقابلات وجوار يقدمن لها النصح والإرشاد؟
تتحرك خطوات داخل أبهاء قصرها متسندة من الإعياء، فكيف لها الآن بقيادة المعارك في مواجهة جيوش أوروبا المتحالفة تحت شارة الصليب، بجنودها وتحفزها وعتادها، ولو من مدخل الانتقام والتحدي، بسبب التجبر الذي أبدته ذات الهمة منذ توليها قيادة تحالف العرب المسلمين؟
ولم تجد ذات الهمة منفذا لوضعها على هذا النحو، بعد أن فشلت ولم تفلح جميع الجهود التي بذلت لإنزال وليدها ... من بطنها قبل حلول أوانه.
وكأن الوليد بدوره يبذل أقصى طاقات صموده ليخرج إلى الحياة، أو وكأنه يتحدى كل محاولات إزهاقه كروح جديدة حق عليها الحياة.
أرسلت الرسل البحرية إلى الخليفة الهادي في مقره الجديد تعلمه بالوضع الجديد، وتخليها عن قيادة أمانة جيوش المسلمين؛ نظرا إلى مرضها، كما أرسلت إلى أمير أمراء الحملة عبد الله ووالدها مظلوم، ولكن لا من مجيب. - ماذا يحدث؟!
بل إن كل من راسلتهم بادر بإرسال طبيبه وحكيمه، ودعاء الاستفسار عن صحتها الشخصية دون إدراك للخطر المحدق. •••
وجاء الفرج حين تزايدت الآلام، ووضعت ذات الهمة ذات غسق مولودها، وهو غلام أسمر اللون، داعج العينين، مفتول الذراعين، لقب من فوره بعبد الوهاب، ودعته بعض النسوة الصالحات: بترس الرسول.
وحين تفرسته ذات الهمة استدارت إليه محاولة قتله وإزهاق روحه، فاختطفته النسوة من
بين ذراعيها، جوار مدعيات موته؛ فتربى في الخفاء.
| المولد المدهش للبطل عبد الوهاب!
وكالعادة صاحبت مولد عبد الوهاب كطفل قدرات خارقة على خوض المنازعات والمعارك التي دارت رحاها هنا وهناك.
ف «ترس قبر الرسول والأسد الوثاب الأمير عبد الوهاب»، مثلما أسمته النسوة إثر مولده، مثل بقية الأبطال الملحميين العرب: أبو الفوارس عنترة بن شداد، وأبو زيد الهلالي، والزير سالم أبو ليلى المهلهل، صاحبت المنازعات والصراعات القبلية مولده ومجيئه إلى الوجود، إلى حد حصول الانشقاق بين أفراد القبيلة الحجازية الفلسطينية الواحدة والتهديد بالحرب، وذات الهمة لا تزال تعاني آلام مخاضها؛ لأن عبد الوهاب جاء على غير لون آبائه ... جاء أسمر اللون كعنترة.
فما إن تفرسته أمه لحظة مولده حتى شهقت متسائلة بينها وبين نفسها بما يعني أن سبب كل آلامها وتخاذلها هو هذا الوليد، الذي صبر وعانى بدوره طويلا داخل أحشائها ضد كل محاولات إزهاق روحه، وكتم أنفاسه، منذ بداية تكوينه كنطفة إلى أن اكتملت أيام حمله وشهوره التسعة، صاخبا مائجا كمن يخوض بمفرده أجيج حرب مستعرة داخل أحشاء ذات الهمة، دفاعا عن أحقية وجوده؛ ليخرج من بطنها صارخا من أعماقه على هذا النحو، وكأنه يجهر معلنا: أنا أكره الأعداء.
بل إن صراخه المدوي لحظة تعثر انزلاقه أوصل آلام ذات الهمة إلى أوجها، فانثنت ترقبه بين أيدي وصيفاتها، مولولة، وكما لو كانت على معرفة يقينية بما ينتظرها من عذابات بسبب عبد الوهاب هذا.
وحين لفته الرباب بغلالة رأسها حانية وهي تضعه إلى جانب أمه، التي غضبت في محاولة يائسة لتقطيع أوصاله تستريح بعدها إلى الأبد، اختطفته النساء جاريات مستبشرات، وهن يرقبن عينيه الخرزتين القاتمتي الزرقة إلى حد السواد الضارب، وجسده المتكتل المفتول وهو يضرب الهواء بساقيه وأطرافه كلها ... رفضا وتمردا كمثل جواد بري هائج.