وكانت كلما تمادت في أفكارها ازدادت اكفهرارا ومرضا، وملازمة للفراش، ورفضا لتناول الطعام، سوى أقداح العصير التي تعدها لها وصيفتها التي هي في موقع أمها الرباب، وتتجرعها ذات الهمة لمجرد ترطيب حلقها الجاف وجوفها، لتغط من جديد في نومها نهبا للكوابيس الثقيلة المحاصرة، والتي كانت ترى فيها نفسها في كل الحالات مجرد أسيرة محاصرة بالأعداء من كل جانب، حتى وجوه وسحن أقرب مقربيها.
وبدأت مع توالي الأيام تعيد استرجاع ما يدخل أمعاءها.
وهنا عرفت جاريتها الرباب مكنونها وما ألم بها من آلام، من تلك التي عادة ما تصاحب الحمل في أشهره الأولى.
ورأت المرأة بصائب بصيرتها أن من الأفضل عدم إخبار ذات الهمة بأسباب مرضها وأعراضه، وإلا حطت عليها الهموم، واستبدت بها الهواجس التي قد لا يعلم أحد مداها، خاصة وهي على ما هي فيه من هزال وقنوط، ورفض دائم لتناول وجبات طعامها، وإذا حدث واشتهت صنفا أو فاكهة معينة سرعان ما تعيدها من فمها مترنحة لا تدري ما بها.
ورغم ذلك لم تتخل ذات الهمة عن واجباتها في متابعة أخبار الجبهات والتحصينات، والرد على الرسائل، وصرف المؤن، بل والتحامل على امتطاء صهوة جوادها والخروج مخفية في صعوبة بالغة معاناتها على أعين الجند والجميع.
وأفزعها في البداية تحسسها نظرات وإيماءات العيون المحيطة بها، هل إن الجميع على دراية بما حدث؟
وبالطبع تجرأ على التقدم إليها عشرات المظلومين من تصرفات ابن عمها الحارث، شاكين من الظلم والتجبر، وكانت كلما سمعتها من فم شاك أو مظلوم ازدادت إعياء فوق إعياء.
فكانت تسرع الخطا إلى ملازمة مضاربها وفراشها وحيدة صامتة اليوم بطوله، وزاد من فداحة
الأمر تعرفها ذات ليلة على ما بها، فصارحت به في البداية لرباب: ما الذي يحدث يا رباب؟ ماذا دهاني؟
وحاولت الرباب تكتم رغبتها الدفينة في الإفصاح، وتغيير ما تراجع عن ذكره لسانها، وأشارت عليها بأهمية إحضار طبيب مداو أو حكيم؛ لاستطلاعها والتعرف عما بها.
وتمادت في ذكر محاسن «وشطارة» طبيب أمير الحرب المعين من قبل أمير المؤمنين عبد الله بن سليم، الذي وصل إلى هنا خصيصا بتكليف منه للكشف عليها. وكانت ذات الهمة قد رفضت مجرد استقباله هو ومرافقيه الذين قاموا على عجل محملين بالهدايا، وادعت أنها بخير ولا داعي للحكماء والأطباء الذين لم تعتدهم أصلا من قبل.
وأعادت الرباب التوسل لاستقبال حكيم الأمير المرسل، فرفضت ذات الهمة رفضا صارما، وكادت أن تطرد الجارية الحنون التي اتخذت منها أما، وصرخت: قلت ... لأ.
عاودت الرباب انشغالها بتحضير شرابها العشبي الساخن مبتعدة، حين عاودت ذات الهمة التساؤل عما بها، وكأنها تخفي عن نفسها أسباب ما حط عليها من داء: تراه ...
من جديد رمقتها الرباب في إشفاق دون أن تنطق مفصحة عن أعراض ما بها.
قالت: ترينه الحمل.
وتصورت على الفور سلسلة لا متناهية من ومضات ما سيحدث ويحل بها، وما يسببه لها توالي ظروف الحمل وأشهره التسعة إلى حين أوان الطلق والوضع، وما سيستجد من كوارث.
وحين وافقتها جاريتها اعتراها من جديد الغضب والهياج المكتوم الذي لم يخفت لهيبه سوى الاستسلام للنوم المضطرب المتقطع؛ لتصحو آخر الليل وحدها تتحسس بطنها المنتفخة، متصورة وصول ما بها من ضعف وإعياء إلى مسامع الرومان: ذات الهمة القائدة حامل. إنها لكارثة! •••
وتحققت نبوءة ذات الهمة وهواجسها ، فالأمر على هذا الوضع ينذر بالكارثة التي ستحل فوق رءوس الجميع، وذلك حين حملت إليها الأنباء المتدفقة التي تجمعت من أفواه بصاصيها ومكاتباتهم، وأخصهم عيارها القزم صاحب «الملاعيب» «أبو الحصين»، الذي ظل على مقربة منها وعيناه على مدى البحر الشاهق، لا تغيب عن تحركات عاصمة الأروام القسطنطينية وما يجري بها، وآخرها جمع ملك الروم «لاوون» أمراءه وبطارقته استعدادا لشن الهجوم المفاجئ الساحق على الثغور والموانئ البحرية التي استردها العرب المسلمون، تمهيدا للوصول إلى قلب الخلافة ذاتها.