تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خاصة وأمير الحملة يتمتع بمنزلة خاصة لا تعلوها منزلة في أعماق فاطمة.

وتحرج ظالم في البداية بعض الشيء في قبول هذا الأمر بإيصال ما حدث إلى أمير الحملة، مدركا مدى حب وتقدير الأمير لشمائل ومزايا ذات الهمة، لكنه لم يجد بدا من الموافقة والتعجيل

بالانتقال معا إلى مضاربه، وخاصة وأن ما حدث لن يبعد كثيرا عن أسماعه وحنكته في الإلمام

بكل صغيرة وكبيرة هنا.

وهكذا اتخذ الشقيقان طريقهما إلى مضارب أمير الحملة، التي لا تبعد سوى مسيرة ساعات منهما، طالما أن الخير في المشورة حقنا لدماء الأشقاء قبل استفحال الأمر. •••

وما إن حط ركبهم المهموم على غير العادة داخل مضارب أمير الحملة ورأس قبائل بني سليم، حتى تبادلت الخيول وكلاب الحراسة الصهيل والنباح؛ مما أفزع الأمير فهب من إغفاءته مستطلعا الأمر، إلى حد تصوره لأخطار من جانب العدو حلت بالجميع ودون سابق مقدمات.

تبادل معهما تحية المساء، متفرسا في وجهيهما، سائلا من فوره مظلوم: خير؟ - يفعل الله كل خير.

وحين دخلا ديوان الأمير عبد الله بن سليم ودارت أقداح القهوة العربية، أشار مظلوم لرجاله بإدخال حارس الأميرة ذات الهمة الخاص مرزوق، وكان قد اصطحبه معه ضمن رجاله دون أن يلحظ أخوه الأكبر ظالم ذلك.

وما إن أشار عليه بإعادة حكاية الواقعة، حتى جثا الخادم السوداني المرتعد تهيبا من أمير الحملة الذي طمأنه بنفسه؛ تعطشا لمعرفة ما جرى في غيابهم.

وما إن أفاض مرزوق في إعادة حكاية ما حدث لحين توصله إلى خطة الاغتصاب،

حتى هب الأمير عبد الله من مجلسه فزعا، مستغفرا، طالبا من فوره الإسراع ببعث رسول للاطمئنان على صحة ذات الهمة قبل كل شيء، بل تمادى في غضبه إلى حد السب

والإنقاص من الحارث على مشهد من أبيه الذي أطرق منزويا لا يعرف له مسلكا.

بل إن الأمير اندفع خارجا مصفقا بيديه، طالبا من بعض جنده وطبيبه الخاص بالتوجه ليلا إلى مقر الأميرة ذات الهمة وملازمتها والإسراع برعايتها، وإبلاغه معجلا بتفاصيل صحتها وحالة جند المسلمين في الجزيرة البعيدة.

وحين عاد إليهم عقب إصداره لأوامره العاجلة، أعاد الاطمئنان إلى ضيفيه،

مشيرا إلى ضرورة وأهمية جمع الشمل العربي بين قبائل المسلمين وأقوامها المتناحرة؛

«فما بالنا بالقبيلة الواحدة؟!»

وأخذ الأمير عبد الله على عاتقه أمر ترضية ذات الهمة وتطييب خاطرها، حتى ولو

اضطر إلى السفر العاجل بمفرده والوصول إليها قبل الجميع.

| ولادة عبد الوهاب

لزمت الأميرة ذات الهمة قصرها وفراشها أياما بعد أن حط عليها مرض ثقيل أشاع الخدر في أطرافها، وأحدث لها تحولات بدنية لم تكن تعرفها من قبل حين كانت فتاة، وهي التي لم تذق للراحة طعما من قبل، ولم تعتد على حياة الكسل والتراخي، ومع ذلك دأبت على أداء حتى أبسط واجباتها اليومية بكل حرص ونشاط.

إلا إنها كلما استرجعت دقائق وأبعاد ما حدث يحوطها على الفور حزن دفين، يدفع بها إلى حالق الاكتئاب الذي لا قرار له، فتمضي تضرب أخماسا بأسداس سخطا على ابن عمها وحارسها المقرب، بل والقصر بأسره، بكل من فيه من كبير وصغير، الذين وصل بهم التهاون إلى حد السماح حتى لأبيها ذاته باقتحام ودخول مخدعها دون علم منها، وهي التي تحرص على أرواح أبسط جنودها، بل وحتى أسرى حروبها، بل وحياة ابن عمها الحارث ذاته، فحين حق لها قتله وإزهاق روحه في ميدان المنازلة على مرأى من شهودهما، اكتفت بإلقائه عند سنابك خيلها؛ حيث وضعه اللائق دون التسبب في قتله.

كانت ذات الهمة حزينة لأن التسيب قد عم، فرغم أن لهيب الحرب المستعرة قد انحسر، إلا أن الهدنة لن تستمر طويلا ما دام الطامعون ما زالوا يحملون السلاح، ويتحينون الفرص للعدوان والغزو، وما زالت رغباتهم الطموحة تدفع ملوكهم وحكامهم إلى محاولة التسلط والسيطرة على بلاد المسلمين.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٢٥