كيف شارك ظالم بنفسه في اختطاف ذلك الأسير السوري من داخل أغوار حصون القسطنطينية، وعاد به مع بقية العيارين والبصاصين سالما معافى إلى حيث مضارب ذات الهمة، وبحسب ما أشارت وأمرت!
وكيف أدى اختراع ذلك الأسير السوري إلى ترجيح كفة جيوش أمير المؤمنين، وحسم بأسلحته الجديدة فرص النصر على الجانب العربي.
لقد كانت مهمة عسيرة شاقة تلك التي اضطلع بها ظالم حول إعادة أسير سبق أن اختطفه الأعداء، وأثاروا حوله ضجة هائلة.
وكثف الأعداء كل عيونهم وحراساتهم حول ذلك المخترع، عندما أصبح بين أيديهم، يواصل تجاربه على تطوير كل أسلحة الفتك الموجهة إلى صدور بني جلدته من العرب والمسلمين لصالح الأروام.
بل إن ظالم حين أفلح في استرداد ذلك الأسير السوري من أعماق معسكرات الأعداء داخل القسطنطينية، وعاد به سالما، بحسب ما أشارت به ابنة أخيه ذات الهمة، أصبح موضع التكريم المتواصل، سواء من جانبها أو من جانب أمير الحملة ... أو أمير المؤمنين ذاته، الذي وصل إليه الخبر في عاصمة الخلافة، فبعث برسالة خطية خاصة له يكيل له الثناء.
فلم يعد السلاح الحاسم في هذه الحرب قاصرا على السيف والمقلاع، بل داخلتها أساليب نارية، وغازات مسمومة توقع الجمال والخيول العربية قبل الرجال صرعى.
وهو التفوق الذي عقده الجميع على هيئة أكاليل على رأس ذات الهمة، تلهج به الشفاه، وتحققه ظالم بنفسه في عيون الآلاف المؤلفة من المؤمنين، والذين أصبحوا اليوم ينامون ويصحون، على الإنشاد والدعاء لذات الهمة، ويتحاكون سيرها التي فاقت سير القدماء.
ليت الحارث كان معه في بغداد والحجاز ليتحقق بنفسه مما أوصلتهم إليه ابنة عمه، حينئذ كان قد تروى وفكر كثيرا قبل الإقدام على فعلته التي أغضبتها، هناك في مخاطر الجبهة وعلى مرأى من الجميع، حتى بصاصين الأعداء وجواسيسهم لن يغيب عنهم ما حدث.
ناهيك عن انكسارها، وعما سيجد من حمل وتغيب عن المهام العسيرة التي تتحملها ذات الهمة، وتنام وتصحو عليها، من إعداد للجند، وتطبيب للجرحى، وبحث في كتبها القديمة على عادة جدها الصحصاح، لاستشفاف الطرق والمنافذ والثغرات، سواء في جبهة المسلمين أو أعدائهم.
كيف يطرح الأمر على مسامع أخيه الأصغر مظلوم؟ وكيف السبيل إلى إقناعه بإعادة جمع الشمل، وإقناع ابنته التي أصبح يخشاها ظالم إلى حد عدم القدرة على مواجهتها فيما بعد؟
وتصور ظالم وهو يدوس مضارب أخيه برفقته حرسه وعياريه وكلابه، أن من الأفضل التراخي في العودة إلى مقر ذات الهمة في «مالطة»، فالأيام والليالي هي الوحيدة الكفيلة بإخماد نيران الانتقام والغضب.
ويا له من غضب سيعاني منه هو وابنه طويلا ... طويلا! •••
وحين خرج مظلوم لاستقبال أخيه مرحبا في عبوس لا يخلو من أحزان دفينة، وهو يطرق كفا بكف أسفا، عرف ظالم ما به.
ذلك أن حارس ذات الهمة مرزوقا كان قد رافق والد ذات الهمة إلى مضاربه، وحكى له مرتعدا تفاصيل ما حدث من الحارث وذات الهمة في غيبتهما، بعد أن أقنعه الحارث بشرعية اجتماعه بابنة عمه وزوجته، لحين فراره بصحبة الحارث إلى هنا؛ هربا من غضب وثورة ذات الهمة أخته التي تربى معها منذ المهد.
وبكى مرزوق مهيلا رمل الصحراء على رأسه ولحيته، حتى رق قلب الأمير مظلوم لما أصبح يعانيه الخادم حسن النية والمقصد.
واختصارا للوقت والجهد، أفهم الأب أخاه بمعرفته بتفاصيل ما حدث، وأن الخير فيما اختاره الله، ووافقه على أهمية تأخير سبل الرحيل إلى مالطة؛ أملا في إخماد غضب ذات الهمة، وحتى لا يأكل الأخ لحم أخيه تحت سمع وبصر أعدائهم الطامعين.
وعرض مظلوم على أخيه أهمية مكاشفة أمير الحملة عبد الله بن سليم على ما حدث، والكيفية التي يراها لمداواة الجرح الأليم الغائر الذي أصاب الجميع في غير وقته.