تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويكفي إصرارها وعنادها على رفض الزواج من ابنه الأمير أعواما إثر أعوام، رغم التوسل بكل غال وعزيز عليها لمجرد الامتثال والقبول، فحتى الخليفة ذاته الذي أشار عليها بأنه ليس للمرأة سوى بعلها، وشهد بنفسه على العقد والزواج الذي وقع وأتم رغم أنفها، وضد رغبتها، لم يتمكن من الوساطة أكثر من ذلك.

فهو يعرف ابنة أخيه حين تكتشف ما حدث لها؛ شرفها، وكيف أنها لن يهدأ لها بال إلا إذا أقامت الدنيا وأقعدتها ضد ولده الطائش الحارث، بل وضده هو ذاته عمها، وتذكر على الفور منازلاتها

له ولابنه، الذي كادت أن تزهق روحه على مرأى من شهودهما.

إلا أن الوالد الغارق في هواجسه عاد من فوره مستديرا لابنه، مشفقا عما يعتمل داخله، قائلا: فاطمة زوجتك بشهادة أمير المؤمنين.

وبدا الحارث كمن لم يسمع، مواصلا شحذ أبيه والتوسل بمختلف الأعذار، كاشفا للأب عن طاقات حقده الدفين لابنة عمه ذات الهمة، التي أصبحت متكبرة متعالية وكأن ما على هذه الأرض سواها، ولا أمجاد سوى أمجادها، ولا حديث لعربي سوى عن خوارقها وانتصاراتها.

وكيف أنها لم تعد تراه طيلة غيابهم، وكم حاولت إبعاده عن طريقها مرارا! بل هي حرمت دخول عتبات مقرها عليه، وهو الزوج وابن العم.

والأب الواجم يستمع منصتا مفكرا، فلعلها اللحظة الوحيدة التي يصل فيها ظالم إلى دفائن أسرار ومكنونات ابنه الحارث نحو ابنة عمه ذات الهمة.

لعلها اللحظة الوحيدة التي يكتشف فيها الأب مدى مخالطة الكره للحب في حالة ابنه الحارث.

وضع ظالم قدميه في مداسيه مختطفا عباءته، متجها من فوره إلى مضارب أخيه مظلوم.

| هروب الحارث من انتقام ذات الهمة

لم يجد الأمير ظالم له مهربا مما أقدم عليه ولده الحارث من إجبار ابنة عمه ذات الهمة، وإخضاعها له دون إرادتها.

وكان الأمير ظالم غائبا وقتها في صحبة أخيه إلى مقر الخلافة؛ لتقديم السبايا والغنائم واستشارة أمير المؤمنين في شئون ومسار الحرب.

تردد طويلا خلال الطريق في كيفية مفاتحة شقيقه مظلوم فيما حدث خلال تغيبهما.

صحيح أن ما حدث اعتبره الحارث في حدود الشرع المتعارف عليه بين زوجين معقود كتابهما بشهادة أمير المؤمنين، إلا أن الأسلوب المقتحم المخادع الذي أقدم عليه ولده الحارث أفقده كل حق وشرعية، بالإضافة طبعا لظروف ذات الهمة، وحالة الحرب الضاربة التي تخوضها من موقع القائدة الذي فرضته على الجميع بإقدامها ومهارتها في وضع الخطط، وإيقاع الهزائم تلو الهزائم في صفوف الأعداء.

وهو ما يختلف فيه الأب مع ابنه، الذي تحول حبه لابنة عمه إلى حقد أصفر، ليس مكانه بحال جبهة الحرب والجهاد في مواجهة عدو يبدع كل يوم في الخداع والتربص بالعرب والمسلمين، يضاف إلى هذا، التوصل إلى مختلف أسلحة الإبادة والفتك التي أصبحت هذه الحرب الطويلة مرتعا سجالا لتجريبها على أيدي الرومان البيزنطيين.

وهي جميعها أسلحة أفسدتها بصيرة «الداهية»، واقتنصتها عنوة من بين أيديهم، وبكل ما تتيحه الحرب من قدرات على الإقدام والمنازلة والفروسية، وما تتيحه أيضا على الوجه الآخر من قدرات على الخداع والمراوغة والتلصص والتجسس والتنصت والاقتناص والاختفاء، من أجل الفوز بالنصر الذي افتقده العرب طويلا قبل وصول ذات الهمة إلى هذا الموقع.

لكم اختطفت ذات الهمة عوامل النصر، وخاصة السلاح، من أيدي أعدائها وأعداء جيش المسلمين؛ ليصبح مصدر قوة في أيدي العرب.

ولعل الأمير ظالما شارك بنفسه في اختطاف ذلك الأسير السوري، الذي سبق الجميع في التوصل إلى اختراع القنابل النفطية، التي توقع بالهلع في قلوب الكتائب والفيالقة المحاربة، فيصيبها الذعر من هول النيران المتفجرة التي لم تسمع بها، ولم تر مثيلا لها من قبل، فتلقي بأسلحتها من سيوف ومقاليع وخناجر ورماح ودروع، بعد أن تناقص أثرها؛ لتجري ذعرا مولية الأدبار.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٢٣