وعندما لم يعثروا لمرزوق على أثر، عم صمت ثقيل استردت فيه ذات الهمة أنفاسها، إلى أن تجمعت الأخبار من هنا وهناك حول ما حدث ليلة الأمس.
حين عادت من مهامها وتريضها، ولم تذق للأكل طعما عقب تناولها لشرابها من يد الوصيف، فترنحت لا تعرف لها تواجدا، وما إن أوصلوها فراشها حتى لازمها ذلك النوم الثقيل الكابوس، لتجد نفسها على هذا الوضع وقد انحل عنها كل ستر.
انحطت مستسلمة على فراشها، مشعثة الشعر، غائرة العينين، وقد ألمت وأدركت بتفاصيل ما حدث، حين تواتر إلى أذنيها اسم ابن عمها الحارث، ومجيئه إلى القصر عقب صلاة العشاء؛ بحجة زيارة زوجته وابنة عمه التي ألم بها مرض فجائي، وأنها هي التي استدعته عاجلا، كما أوهم حراسها وأتباعها في غيبة عن والده وعمه والدها.
وهكذا تجرع الجميع من ذات الكأس المسمومة التي لفقها الحارث، ووصل بها إلى مخدعها الذي لم يسبق له أبدا دخوله، لينفذ فعلته الشنيعة التي لن يمحوها سوى جز رأسه، على هذا النحو.
أجل ... على هذا النحو المهين الجارح، يصل الأمر بذات الهمة، التي أذلت أعناق أعالي الرجال المحاربين والفرسان تحت سنابك خيلها: دماغي، رأسي.
كان قد ألم بها صداع طاحن أسال خيوط العرق مدرارا على وجهها وجسدها بكامله.
ولم تجد الرباب وبقية الفتيات سوى تطويق رأسها، والإحاطة بها كمثل ذبيحة، وتجفيف أنهار العرق المتقاطرة من كل بدنها دون جدوى.
وحين أشارت الرباب باستدعاء طبيبها، هبت ذات الهمة معترضة منبهة: لأ ... لأ ... حذار.
وتبادل الجميع النظرات الخجلى والترحم الصامت لما انتهى إليه مصيرها بين القبائل ... العرب.
من جديد تنبهت مهددة تطلب وصيفها الذي هو في موقع أخيها - في الرضاعة - والذي
أسلمت له قيادها ليبيعها بخسا على هذا النحو، فلولا خيانته لما تمكن الحارث من أن تطأ قدماه
عتبات مقرها المصون ؛ لينفذ إلى مخدعها وتتحول من قائدة محاربة إلى امرأة تحمل وتلد وترضع.
وعاد إليها الجميع من حرس ووصيفات بخبر انشقاق الأرض وابتلاعها لمرزوق الذي لم يعثر له على خيال.
وعلى الفور أصدرت ذات الهمة أمرها بالتحرك البحري لسد كل المنافذ البحرية للجزيرة بكاملها في وجه الفارين، وإحضار كل من ابن عمها الحارث وخادمها مرزوق أحياء أو قتلى، لكن دون جدوى.
ذلك أن الحارث بعد أن وصل إلى مبتغاه وحلمه القديم تولته رعشة عاتية، دفعت به إلى جمع حاشيته وحاجاته وأقرب مقربيه، قافزا منتفضا إلى أول سفينة صادفها هاربا مصطحبا مرزوقا، ووسط أمواج البحر الضاربة لم يعرف له طريقا إلى أن استقر رأي الجميع على الإبحار عائدين باتجاه الوطن، والحط في جزيرة آمد؛ حيث وصلت الأخبار بعودة والده وأخيه إليها.
وما إن وصلوها دون أن تلحق بهم سفن ذات الهمة المطاردة حتى تنفس الحارث الصعداء، مقررا إطلاع والده على ما حدث وإسلام مقاليد الأمر إليه.
إلا أن والده ظالما ما إن وقعت عيناه على ابنه الحارث مسرعا على صهوة جواد، ثم ترجله عنه مسلما مقبلا جبينه، حتى ظن الوالد من فوره وكذلك أخوه مظلوم، بأن كارثة وقعت خلال أشهر غيبتهما.
بل إن مظلوما تصور من فوره أن أعداءهم الرومان أعادوا شن غاراتهم على مالطة، وشتتوا الشمل العربي، فاتجه من فوره إلى الحارث سائلا في جدة: ماذا حدث؟ - خير.
عاجله: وذات الهمة؟
أطرق الحارث منتفضا مغمغما: بخير.
إلا أنه اختلى بوالده الأمير ظالم، الذي تحسس ما به وما يعانيه، فتفرسه: فاطمة ... مرة أخرى!
هنا اندفع الحارث مفضيا لأبيه بتفاصيل ما حدث مع ذات الهمة، إلى أن وصل به إلى لحظة تملكه لها وهي نائمة غائبة عن كل وعي.
هو يعرف ذات الهمة، وخاصة حين يتملكها الغضب الذي يفضي إلى العناد، الذي لن يمحوه أبدا سوى الانتقام وسفك الدماء بين أفراد القبيلة الواحدة، الجسد الواحد، الأخ وأخيه.