تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل هي ضاحكت أحد حراسها من السودانيين لحظة استبدالها قائلة له: «ما لنا والخواجات؟ نحن بساطنا أحمدي.»

إلا أنها صبيحة هذا اليوم قامت من نومها على غير العادة، فحين حاولت فتح جانب ضنين من عينها اليسرى لاستطلاع الشمس ومعرفة الوقت عبر النافذة لم تستطع، فعاودت الإغفاء والاستسلام لخدر النوم وتسلطه، وكأنها لم تذقه منذ دهر.

عاودت الاستسلام لأحلامها وكوابيسها الخانقة لدرجة أثارت شكوك ومخاوف وصيفاتها خارج الغرفة؛ مما دفع بأقرب وصيفاتها - وكانت امرأة مسنة تفيض حنانا لها - إلى طرق الباب مرات، وحين لم يفتح اقتحمته المرأة داخلة مندفعة من فورها إلى فراش ذات الهمة الممددة الغارقة في حشرجاتها.

وما إن قاربتها موقظة: مولاتي فاطمة. حتى شهقت المرأة فزعة مما وقعت عليه عيناها المشدوهتان.

| مرض أم المجاهدين

ما إن انتصبت ذات الهمة فجأة جالسة في منتصف فراشها حتى فقدت صوابها وهي ترقب ما حل بها، فأيقنت تماما ما حدث، فنشبت أظافرها في جدائل شعرها، مشيرة بذراعها كله إلى حسامها صارخة: سيفي ... مرزوق.

استدارت جاريتها العجوز الرباب وقد استبد بها الفزع من ثورتها وغضبها، محتارة أيهما تسرع في تنفيذه؛ السيف المعلق إلى جانب الفراش، أم الإسراع في استدعاء مرزوق، أينما كان.

ولم تمهلها ذات الهمة، بل هي اندفعت من فورها نازلة عن فراشها، مختطفة حسامها من غمده، منطلقة صارخة في أبهية قصرها بملابس النوم : مرزوق، مرزوق.

بهتت الوصيفات والجواري مما ألم بالأميرة الغاضبة، وأسرعن منطلقات هنا وهناك بحثا عن مرزوق الذي لم يسبق له الابتعاد لحظة عن ذات الهمة، ملازما لها كظلها أينما تواجدت، وتحت أي سماء.

بل إن ما أعجز ذات الهمة، وألهب غضبها، وضاعف من مرضها وهزالها حقا، ليس ما فعله الحارث بها، بل ما أقدم عليه خادمها وصديقها المقرب «مرزوق»، حين تذكرت ذات الهمة لحظة التغير المفاجئ الذي اعتراها كمثل ومضة مشعة في سماء ليل ثقيل الظلمة.

وهي لحظة لن يغيب أبدا مداها العميق عن ذاكرة ذات الهمة ووعيها، مهما واصلت الحياة والتنفس وخوض المعارك، وتلقي أخبار الهزائم والانكسارات، وما تتطلبه الحرب من خداع ومؤامرات، حتى لو استدعى الأمر التنكر تحت جلد الروم بغية التسلل إلى قلاع الأعداء واحتلالها.

هي لحظة تسطع لتخبو في ذات الوقت وكأنها مولود عانى ارتعاشة موته المصاحبة لمولده.

لحظة أن ترجلت عن جوادها مع مدخل عشاء البارحة فاغرة فاها تعبا: عطشانة، فقدم إليها

مرزوق كأس شرابها، وتلاقت أعينهما كمثل نصلين غائرين: مولاتي. حينئذ أيقنت الصبا والطفولة ... تلك اللحظة.

إلا أنها لم تتراجع عن تجرع كأسها من يد مرزوق، وكيف لفاطمة أن ترد لمرزوق صديق صباها، وعطر طفولتها كأس علقم أو سما قابضا لكل حياة؟ كيف لها أن تراودها الشكوك فيمن تبادل معها لبن الأم؟!

إذن لما عاد في هذا العالم الفسيح المتلاطم خبرا يرجى، ولتمرح مخلوقات الخيانة وحيواناتها وجراثيمها لترتع في كل جسد، وتومض في كل عين عبر اللحظة الخاطفة، التي تقود كل منا من كبير إلى حقير إلى مهان، إلى حتفه وسقوطه من أعلى عطائه وتألقه.

كيف لفاطمة ابنة مظلوم التي عانت مرارة الأسر، وضيق الحاجة، وطحن الرحى، وجرش الملح، ورعي الجمال والإبل البرية في وهج الصحراء جنبا إلى جنب مع مرزوق، أن يخالجها الشك والتراجع عن كأس ماء تقدمها يده الممدودة لها في حنو، لتتجرعها كمثل بلسم عشية يوم قائظ يعصر فيه عصرا عرق الجبين.

تقلبت في فراشها بعدما أيقنت قبل الجميع من اختفاء مرزوق، وهي تعيد التساؤل المؤلم إلى حد غياب النوم عن عينيها المسهدتين، لكن دون أن تعثر لها في النهاية على مرفأ آمن يشفي غليل تساؤلاتها حول ما أقدم عليه ذلك «النذل» ... مرزوق.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٢١