ومن هنا اتسعت سلطات الحارث، وعم ثراؤه إلى الحد الذي أصبح به مضرب الأمثال، فأصبح يقتني الخيول العربية الأصيلة، ويرتدي أفخر الثياب، ولا ينثني ليلة عن إقامة الموائد والاحتفالات، ورحلات التريض الخلوية من بحرية وبرية.
وضرب عرض الحائط بكل أقوال وتوجيهات ذات الهمة في التيقظ للأعداء، وعدم الاستسلام لحياة التهادن والمهادنة الرخوة، فما حدث من انتصار على الثغور ليس إلا حلقة بسيطة من سلسلة متصلة، مداها الوصول إلى أصل الداء ومنبعه؛ وهو العاصمة «القسطنطينية».
لم يلق الحارث بالا ولا التفاتا لكل هذا، مدعيا أن من حق المحاربين الخلود للراحة والترفيه المؤقت إلى أن يحين داعي الجهاد.
كل هذا وعينه لا تغفل عن ذات الهمة، وكيفية الوصول إلى منالها ... حلمه الدفين، الذي ينام ويصحو على تحقيقه يوما، ولو لمجرد استعادة ثقته في نفسه كرجل وابن عم وزوج، وهو ما أصبح يتوق إلى بلوغه وتحقيقه بسبب النظرات الساخرة الصادرة من عيون أقرب مقربيه، مما تقوض ضلوعه وجوانحه انكسارا وتهافتا.
لقد كان الحارث يحس في أعماق نفسه بمدى الهوة العميقة الفاصلة بينه وبين ابنة عمه، فهو أبدا ليس ندا لها، لا من حيث السمعة وعلو المنزلة التي أحرزتها منذ أن كانا في موطن الأهل والصبا ... وادي الحجاز، ولا من حيث القدرة على اتساع البصيرة وتوقع الأخطار المحيطة بالعرب، والعمل على مواجهتها قبل تضخمها واستفحالها، ولا من حيث القدرة على النزال والفروسية التي تفوقت فيها الدلهمة، حين نازلته مرارا وتكرارا، وفي كل مرة كانت تصرعه صرعا تحت سنابك جوادها على مشهد من جميع الأهل والقبائل.
فكيف للحارث أن ينسى كل هذا لذات الهمة؟ كيف؟! •••
وهكذا واصل إحكامه في السيطرة على دخائل قصر الأميرة ذات الهمة، إلى حد استقدام حارسها وخادمها الخاص الملاصق لها، الذي لا يبتعد عنها لحظة منذ أن تربت في براري الحجاز وفلسطين، وهو مرزوق، ابن مربيتها ومرضعتها أم مرزوق، التي لازمتها حتى في غياهب الأسر منذ الطفولة.
لذا فالوصيف مرزوق هو في موقع الأخ لذات الهمة، الذي شرب ونهل من ذات الصدر الذي أرضعها.
تمكن الحارث من الوصول إلى خادمها مرزوق ومصادقته والركون إليه، وكأنه يشتكي له ما به من حب جارف لابنة عمه وزوجته شرعا بشهادة وتشريف أمير المؤمنين.
حتى إذا ما آنس إليه الحارس طيب القلب مرزوق، مشفقا على ما به كزوج وحبيب مجروح لا ينام الليل مما يعانيه ويعتصره، بادره بمشروع غريب، بعدما أطلعه على سره ومكنونات نفسه، عاجله الحارث
بزجاجة من الدواء المنوم الذي لو شرب منه جمل نقطة لاستلقى نائما حولا.
وأتبع الحارث هذه القارورة الصغيرة بألف درهم من الذهب الصحيح الأحمر، رفضها مرزوق من فوره، إلا أنه قبل الشروع في المهمة لاقتناعه وثقته في مشاعر الحارث ومعسول كلامه ونواياه، وانطلق من فوره مخبئا الزجاجة الصغيرة بين طيات ملابسه، متحينا الفرصة التي تتيح له مجرد
صب قطرتين في كأس شرابها، وهي التي لا تشرب وتأكل إلا من يديه، وبحث عنها طويلا فلم
يجدها، تتحسس أطراف أصابعه «أمانة» ابن عمها الأمير الحارث، دون أن يثير ذلك لديه
هواجس الشك والتخاذل عما اقتنع ووعد به عن طيب خاطر، إلى أن حانت لحظة عودة
ذات الهمة من تريضها وقنصها ومتابعتها لأحوال الجند.
وما إن ترجلت نازلة عن حصانها مندفعة إليه وبيده كأس شرابها المفضل، وهو الليمون البنزهيري
المثلج، حتى احتست كأسها كله قبل أن تخطو إلى داخل بوابة قصرها بزيها العسكري، خطت خطوتين قبل أن تترنح عند العتبات، فجرى إليها مرزوق مرتعدا مسندا حتى أوصلها بمساعدة جارياتها إلى فراشها.
حتى إذا ما احتواها الفراش تراخت ذراعاها، وعلا شخيرها، وهي التي كما يعلم مرزوق والجميع لا يعلو لها صوت، حتى أيام وليالي أعتى المعارك التي أصبحت على كل لسان.