وأطلعهم الخليفة الجديد على ظروف مرض المنصور، وكيف أن أركان الدولة، وعلى رأسهم الخليفة ذاته، وجدوا أن من دواعي الحرص والأمن التستر على مرض الخليفة واعتزاله في الأشهر الأخيرة، حتى لا يتسرب الأمر إلى أسماع الأعداء وعيونهم، فتزداد مؤامراتهم وشكيمتهم وعدوانهم.
ووافقه الجميع، ومنهم: الأمير عبد الله، ووالد ذات الهمة، وأقاموا شهورا بعاصمة الخلافة
لبحث أمر التزود بالخطط والعتاد؛ تمهيدا لمواصلة جند المسلمين الزحف والتقدم بثبات باتجاه حصار
عاصمة الروم البيزنطيين القسطنطينية وفتحها، حتى يأمن الجميع عدوانها وشرورها التي لا تنتهي،
كوريثة شرعية لعبودية الرومان القدماء الذين أنهى الإسلام دولتهم.
وهكذا تحدد موعد عقد اللقاءات بين الخليفة الهادي وبين قادة المعارك العرب، تمهيدا لتدارس الوضع الجديد على جبهة القتال، مع مراعاة الاستفادة من الأخطاء السابقة التي باعثها الخلافات والانقسامات العصبية والقبائلية التي تفت من عضد ووحدة الجيش الواحد، في مواجهة عدو لا يرحم في تصيده لأي ثغرة يواصل منها النفاذ، أملا في تعميق الجروح المفضية إلى إضعاف صفوف جيش المسلمين.
وكانت ذات الهمة قد زودت أمير الحملة المعين من قبل الخليفة العباسي، ووالدها مظلوما بالكثير من المعلومات الموثقة بالخرائط والخطط التي تمهد الطريق لفتح عاصمة الروم القسطنطينية، مع دراسات وافية لاحتياجات الجيش وإمداداته وأسلحته، وما يكفيه خلال أشهر الحصار الطويلة، وأنسب فصول السنة الملائمة للعبور.
بل إن ذات الهمة لم تنس حتى عادات وتقاليد الروم، سواء في الحرب والقتال، أو ما يتصل بأعيادهم الموسمية وكرنفالاتهم الشهيرة، وما يسيل فيها من أنهار الخمور التي يواكبها فقدان الوعي، والرقص الخليع أو التهتك عبر مدنهم ومضاربهم ومعسكراتهم.
وهكذا لم يفت ذات الهمة الكثير مما يستلزم المعرفة الوافية به لتحقيق النصر، والتي كانت تشمل عاداتهم المتوارثة في الحرب والسلم، وخاصة طبيعة الأسلحة التي يشهرونها في وجه العرب، والتي يبدع علماؤهم ومهندسوهم في تطوير أساليب فتكها بالأجساد العربية.
ومن كثرة المعلومات والوثائق التي زودت ذات الهمة القادة العرب لعرضها على أمير المؤمنين لتدارس الوضع، أمر الخليفة من فوره بتشكيل أكثر من لجنة، واستقدام وفود خبراء الحرب والأسلحة من مختلف الأقطار، من دمشق والقاهرة والأندلس وبيروت وإيران والصين؛ لتدارس الأمر والاستفادة من فترة الهدنة الملفقة التي ألح ملك الروم في عقدها؛ لشحذ المزيد من العتاد والسلاح.
وكالعادة ... فما إن هدأت الحرب لبرهة تمهيدا لإعادة تجددها واشتعالها، حتى بدأت واندلعت على الفور حرب أخرى من المؤامرات والدسائس واستنفاذ الأحقاد الدفينة، كان أكثرها وأخبثها التهابا تلك الحرب المندلعة داخل أغوار نفس الحارث، وما اعترى حبه السابق لابنة عمه ذات الهمة من كره يصل إلى حد المقت، والرغبة في تدميرها وتقويض هيبتها.
وسنحت بالفعل فرصته حين تقاعس عن مهامه في حراسة سفن ومراكب المؤن والذخيرة، فاتخذ له قصرا مسورا واتسعت سلطاته ونما أتباعه، وأصبح يجد أن مناسبات رحلات واحتفالات الصيد والقنص والتريض واللهو ميسرة له دون حسيب أو رقيب.
فمن جانب ذات الهمة ... لا بأس، طالما أنه بعيد عنها لا يقلقها تواجده، وترصده لها باعتبارها زوجته كما هو المتبع.
إلا أن الحارث لم يكن لينشغل عنها، وعن تسمع أفعالها وسكناتها، بل وزفراتها اليومية التي يحملها إليه بصاصوه وعياروه وعيونه المنبثة داخل مضاربها دون هوادة، طالما أن الحارث يخلع عليهم فاخر الثياب والأموال والجواري الرومية والرتب.
وهكذا تسابق الجميع إلى خدمته، وهو المنوط به حراسة عتاد الحرب وخطوط تموين الحملات، وما يقع في أيدي المسلمين من سبي وغنائم وثروات.