تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأملها مرزوق مكفهرا متخاذلا وأصابعه تتحسس القارورة - الطلسم - في جيبه، وعاد فأغلق باب جناحها منسحبا في توجس، مانعا عنها بقية وصيفاتها، مغمغما: تعبانة.

أما مرزوق فلم يفق إلى فعلته وما اقترفت يداه بإيعاز من ابن عمها الحارث إلا بعد أن شاهد ذات الهمة وقد استبد بها الإعياء والضعف، إلى حد أنها لم تعد تدرك ليلها من نهارها.

تحسس القارورة المسمومة في جيب سرواله، واندفع خارجا من فوره عبر بوابة قصر ذات الهمة، من دون أن ينتبه حتى لرد تحية الحراس من أعلى الأسوار.

واصل مرزوق سيره لا يعرف له مأوى محدد يتجه إليه بعدما أطبق الليل البهيم على شوارع مالطة وأزقتها التي خلت من الحركة، سوى من مصابيح الشوارع والميادين وبعض الأسواق وأماكن تجمعات اللهو والأكل، وهو الذي لم يسبق له مرة التخلي عن أميرته ذات الهمة، التي هي في موقع أخته في الرضاعة.

كيف يتركها متخليا هاربا فارا على هذا النحو، تعاني سكرات المرض والهزال التي قد تنتهي بها إلى الموت.

تساءل وقد داخلته المخاوف، وحطت عليه الشكوك من كل جانب، عن هدف ابن عمها الصحصاح.

ولم يفق الخادم مرزوق من أفكاره وهواجسه إلا عندما انتهى به المسير ليلا إلى مضارب الأمير الحارث؛ للوقوف على نواياه، وعندما سأل عنه ولم يجده عاد أدراجه مرتبكا متعثرا لا يعرف له مسلكا.

| مأزق ذات الهمة

كان الحارث على معرفة ودراية كبيرتين بتفاصيل ومنافذ القصر الذي اتخذته ذات الهمة مقرا لها ولمجلس حربها في ذات الوقت.

وكان قصرا حصينا حقا؛ نظرا إلى موقعه المطل على البحر، وكان مرفقا به كل وسائل الدفاع والتحصين، نظرا إلى أنه هو ذات القصر أو الحصن المنيع الذي عانت طويلا الجيوش الإسلامية في حصاره وإسقاطه الأمرين.

كما أنه ذات القصر الذي تحصنت به الأميرة باغة ابنة الملك «لاوون»، وأتخمته بفاخر الأثاث والمفروشات الثمينة التي لم يسمع بها من قبل.

جلبتها «باغة» من مختلف الأقطار والأقوام الأوروبية المتحالفة تحت شارة «الصليب»، والمصنوعة من فاخر الأخشاب، والطنافس، والقناديل المشعلة، والديباج، والعطور، والأحجار المرمرية، والتماثيل والصور والتحف النادرة.

وكم تمنت ذات الهمة خلال مواسم حصارها للقلعة الحصينة التعرف على جنبات ذلك القصر الساحر المطل على البحر الأبيض، والمليء بالنافورات الهائلة والشلالات ومجاري الماء بألوان قوس قزح، بالإضافة إلى النواعير وسواقي رفع الماء التي كانت تحدث أصواتا موسيقية متناسقة الإيقاع، تسمع من بعد فتثير الشجن في النفوس، خاصة جند المسلمين القادمين من أغوار الشام وغوطات دمشق الغناء، ومجاري مياه صور وصيدا والدامور.

فكان عندما يجن الليل وتحط الظلمة تنبعث من جنبات ذلك القصر الحصين موسيقى عالية صاخبة، يغلب عليها المجون، يصاحبها حفلات الرقص المحموم التي كانت تقيمها الأميرة «باغة»، فتترامى إيقاعاتها وألحانها على طول الجزيرة مستغرقة الليل بطوله، وكأن ما يحدث لا علاقة له بظروف الحرب الضارية التي لم تتوقف رحاها على مدى السنوات الطوال منذ عهد جدها الصحصاح.

لكم تمنت ذات الهمة واشتهت من أعماقها النفاذ إلى جنبات وساحات تلك القلعة المنيعة المدججة بالسلاح والرسم وفاخر الأثاث والمروج والنغم، ليس طمعا فيما تحويها من نفيس المفروشات وحياة اللهو؛ بل لأن مبعث ذلك رغبتها المنطلقة من واقع الإعجاب بموقع القصر - العدو - وصموده وجبروته المنيع الاقتحام. وهو أمر لم يحصل إلا بالحيلة والخداع.

حتى إذا ما تحقق لها ما تمنت وحلمت به طويلا، وتمكنت كتائبها بالخداع والتنكر تحت زي الرومان وسحنهم ولحاهم وصلبانهم ورطانتهم من اقتحام القصر وإسقاطه، ومنازلة قائدته الأميرة باغة وقطع رأسها، أجمع مستشاروها على أهمية انتقال الدلهمة وحاشيتها إلى هذا القصر، حتى الأمير عبد الله بن سليم ذاته، أمير أمراء الحملة من قبل أمير المؤمنين، طالبها باتخاذه مقرا، والاستفادة مما يحويه من معدات استطلاع للمداخل البحرية، وحركة الرياح، والتيارات البحرية والموجات، وطرق الإنذار المتقدمة التي تفوق فيها الرومان، بل هو أقسم عليها لحسم الأمر أن تتخذه مقرا لها.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ١٩