تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا تساقطت بقية الثغور الواحدة تلو الأخرى، وكانت كلما فتحت جزيرة أو ثغر - ميناء -

وسقط في أيدي الجيوش الإسلامية المتحدة الزاحفة؛ جرى على الفور إعادة بناء تحصيناتها وقلاعها،

وجرى أيضا تخليص المأسورين والسبايا من سلاسل وأصفاد الجيوش الرومية المندحرة.

ورفضت ذات الهمة العروض التي تقدم بها الأمراء والقادة لإطلاق اسمها على ما يتم تحريره من مدن وجزر وقلاع.

بل هي آثرت إطلاق الأسماء العربية عليها، مثل: قلعة المنشار، وقلعة المنجية، وقلعة المشرفة وهكذا.

وكانت أخبار انتصارات ذات الهمة وفتوحاتها تصل عاصمة الخلافة متواترة من عاصمة عربية وإسلامية لأخرى؛ لينشدها الرواة والمداحون أولا بأول في الأسواق والساحات والتجمعات الشعبية المتعطشة لكل انتصار يحقق أمن العرب والمسلمين.

بل إن ذات الهمة كشفت خلال تلك الحملات عن مهاراتها المتوارثة عن آبائها وجدودها حراس الثغور، على صعيد الخدع وإحداث فرقعات «النار الإغريقية» والبخور المركب، وطرق ومؤامرات قطع الماء التي كان يلجأ إليها الأعداء للإيقاع بجند المسلمين.

وهو ما لم يفت على بصيرة وذكاء ذات الهمة أو الداهية، وهكذا تمكنت الأميرة ذات الهمة من

الإيقاع بجنود أعدائها المتحالفين، الذين لا هدف لهم سوى الإحاطة بالأمة الإسلامية، وتدبير المؤامرات،

وعقد التحالفات التي تتيح لهم التقدم البحري من جميع الثغور المحيطة بالأقوام العربية؛ أملا في الوصول

يوما إلى عاصمة الخلافة بالبصرة.

إلا أن اتساع بصيرة الخليفة المنصور جعلته يفكر يوما في نقل عاصمة الخلافة، وإعادة تحصين موقعها.

وذات يوم، خرج أمير المؤمنين لرحلات قنصه وصيده وتريضه، واستكشاف أحوال رعيته على عادة الراشدين، إلى أن قادته قدماه إلى موقع حصين على نهر دجلة خال من الناس، سوى من شيخ سرياني وقور مسن. استدعاه الخليفة سائلا عن اسمه فقال: اسمي «باغ» يا أمير المؤمنين، وأشار الخليفة متطلعا إلى اتساع رحابة ذلك السهل الشاهق الممتد على نهر دجلة، سائلا الشيخ: وما اسم هذه الأرض يا باغ؟ ثم استدرك أمير المؤمنين قائلا: لولا مشاكل كيفية التحكم في الماء هنا ... لبنيت مدينة وأسميتها باسمك، فأدعوها: بغداد.

حينئذ أخبره الشيخ السرياني الذي كان على معرفة واسعة بطبيعة الأرض هنا، وكيفية التحكم في منسوب مائها: أنا أخبرك يا مولاي.

وعندما اقتنع الخليفة بوجهة نظر الرجل السرياني الطاعن في السن، الواسع المعرفة، أقدم من فوره على إشادة مدينة بغداد على نهر دجلة، فأحضر إليها المهندسين والبنائين والفنانين، وبنيت المدينة واتسعت أسواقها وأنشطتها تحت اسم ذلك الشيخ السرياني: «باغ-داد».

| الحجاز وبغداد

وغنمت ذات الهمة وجندها الكثير من الأموال والغنائم والسلاح والخيول والأشياء النفيسة، التي كانت مكدسة في قلعة الأميرة الرومانية باغة، وبسقوط آخر القلاع سقطت تلك الكنوز والذخائر في أيدي ذات الهمة وكتيبتها.

وعلى الفور قرر عمها ظالم حمل غنائم الحرب والعودة بها إلى مقر الخلافة في بغداد، ورافقه أخوه مظلوم وأمير الحملة المعين من قبل الخليفة، الأمير عبد الله، الذي فوض ذات الهمة في أخذ مكانه، خالعا عليها سلطانه كحاكم للجزيرة المفتوحة وما يتبعها من أقوام وجزر.

واتخذ الركب طريقه ذات يوم مقلعين إلى بغداد بالأسرى والغنائم والأموال والسفن الرومانية المكدسة، لكن ما إن وصلوها وحطوا رحالهم حتى أدهشهم ما آلت إليه عاصمة الخلافة نتيجة للموت المفاجئ الذي أنهى حياة أمير المؤمنين الخليفة المنصور، وتولى أمر الخلافة من بعده الخليفة الهادي، الذي استقبلهم بالترحاب رغم تراكم مهامه الجديدة، وسألهم عن أحوالهم في الجبهة، وكيفية سير المعارك والخطط الحربية، وما يعانونه من نقص، سواء في العتاد أو الرجال.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ١٦