تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستباحة دمهم بكل وسائل وأحابيل الحرب الجديدة، وما جلبته من أسلحة دمار جماعي للآلاف المؤلفة منهم.

صحيح أن الخليفة تبدى لها على معرفة عميقة بما ساقته له من خطط الأعداء، وما يمكن تلافيه وكسر أمده في المهد باليقظة في وضع خطط عربية مواجهة، إلا أن الأمر لم يحتمل بعد التروي ولا التسويف.

وها هو ما ارتأته الدلهمة، ونفذت إليه بصيرتها الثاقبة، وحذرت مرارا وتكرارا من وقعه يوما ... يجيء فاجعا داميا إلى حد تعريض أمن العرب والمسلمين لكل الأخطار المحتملة.

وحين عادت بها مخيلتها إلى ذلك الاجتماع المطول مع خليفة المسلمين، وما انتهى إليه من ذلك التنكر المخادع الذي اتخذه الحارث ووالده - عمها - ظالم، ومن انحراف بالقضية الكبرى، وإلى كيفية اقتناصها هي تحت تأثير سخافات الحب واللوعة، التي انتهت كلها إلى زواج تمقته من أعماقها؛ استبد بها الغيظ إلى أقصى مداه.

فعلى هذا النحو غير المتوقع بدأت ذات الهمة تساق إلى مصيرها المحتوم بالزواج من ابن عمها رغما عنها، عن طريق الإحراج الشديد الذي أوقعها فيه الخليفة الطيب القلب والنوايا المنصور.

فما إن تولتها نوبة الغضب المفاجئة من مراسم الاستعدادات لإقامة فرحها أو عرسها، بالغناء والرقص والموسيقى، ونحر الذبائح، وإقامة الزينات، وذكر اسمها ذاته فاطمة العروس، حتى امتشقت سيفها، واعتلت صهوة جوادها، وأحس الجميع ما بها فولوا الأدبار في كل صوب واتجاه.

حينئذ لم تجد ذات الهمة لها مهربا سوى الفرار في شعاب عاصمة الخلافة ووديانها، طلبا للنجاة بجلدها من جحيم - وليس عرس - ما يحدث.

وهكذا حققت الداهية انتصارها، وفرضت سيادة أفكارها حول أهمية وحتمية التبصر بالخطر الذي تلوح معالمه في الأفق.

فما إن بزغت شمس اليوم التالي حتى تواترت الأخبار لتصبح على كل فم ولسان: الجند الرومية أعلنت الحرب الغادرة. - وفود الروم أسقطت واجتاحت آمد وقبرص ومالطة وقرطاج. - الأسرى المسلمون بالآلاف في أيديهم. - يقتلون الأطفال ويبقرون بطون الحوامل والأمهات، ويصلبون المحاربين العرب. - الأعداء في الطريق إلى البصرة ذاتها.

ولم يجد أمير المؤمنين منفذا سوى جمع وزرائه وقواده وطرح الأمر الغادر المستعجل، واتخاذ إجراءات وقرارات إعلان الجهاد والحرب.

بل إن الخليفة تذكر من فوره كلمات وتحذيرات الأميرة ذات الهمة، فأرسل من فوره في طلبها هي وعمها ظالم، وقادة بقية الأقوام من بني عامر وسليم وبني الوحيد؛ لمشاورتهم في الأمر وإعلان الجهاد.

وعقد الاجتماع المفاجئ الطارئ في مقر الخلافة دون أن تحضره ذات الهمة في البداية، لحين دخول كبير وزراء الخليفة «أبو أيوب» معلنا وصول الداهية.

وهنا تعلقت أنظار الجميع على مدخل القاعة الكبرى؛ حيث اندفعت ذات الهمة داخلة متعممة متشحة بزيها العسكري، متقدمة محيية أمير المؤمنين، الذي رحب بها مفسحا لها؛ كي تجلس إلى جانبه على مرأى من الجميع، حتى من ابن عمها الحارث الذي غرق من فوره في هواجسه، معانيا مما يعتمل في أعماقه من تلك العروس الهاربة.

وانتهى الاجتماع بإعلان الجهاد العاجل، فدقت طبول الحرب، وتحولت عاصمة الخلافة إلى خلية نحل لا تهدأ ليل نهار لإعداد الفيالق والكتائب، وصفوف الجند والسلاح، وشحن السفن الراسية، استعدادا للإقلاع والرحيل.

وتبدت على الفور شجاعة وحماس ذات الهمة في تلك الحملات التي بدأت بفك حصار «آمد» واجتياحها، وفك وثاق الأسرى، ثم التقدم إلى جزيرة مالطة، التي فيها امتد الحصار لشهور طويلة، نتيجة للتحصينات الهائلة التي بناها وشادها الأعداء، إلى أن اضطر الخليفة إلى إرسال حملات التعزيز والرسائل الشخصية لذات الهمة، التي بذلت شهورا متوالية كل جهد يعجز عنه أعلى الرجال شأنا.

وظل الحال على هذا المنوال إلى أن اندكت أسوار المدينة وحصونها وتم فتحها، وسمعت على الفور هتافات التهليل والتكبير بالجيش العربي القادم، من حناجر أفواه أسرى المسلمين المغلغلين في الأصفاد.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ١٥