بذلت ذات الهمة من جانبها كل جهد في الاختلاء بابن عمها بعيدا عن العيون وهي تلاطفه مشفقة حقا على ما به.
وكان الحارث مفتونا بابنة عمه إلى حد السفر والترحال باحثا متخيرا لها عما يمكن أن يدخل السرور والقبول إلى قلبها من هدايا نفيسة، ما بين سوارات عربية يطوق بها معصميها، وملابس وأردية من غالي حرير الهند، وأرجوان وعسجد من دمشق.
فكانت بدورها تتقبل هداياه ممتنة ولا ترفضها، إلا أنها كانت تتصدق بها على بنات أعمامها وجواريها زاهدة، وهي التي ترفض حتى مجرد التمثل بلبس النساء وزيناتهن.
وذات مرة، اقتنى لها الحارث سوارا هنديا مصاغا من الذهب الأحمر، وحمله فرحا إلى خبائها، وأصر كعادته على إدخاله في ساعدها كمثل حية رقطاء طيعة، فضاحكته ذات الهمة بأنه سبق له إحضار عشرات السوارات القيمة التي ما زالت تحتفظ بها داخل صندوق ملابسها.
هنا استدار الحارث إلى صندوقها الصدفي الشاهق الجميل، واندفع إليه فاتحا منحنيا مدخلا رأسه بكامله باحثا عن هداياه وسواراته، لكنه لم يجد شيئا منها سوى ركام من الأسلحة، ما بين السيوف العربية والخناجر.
وحين استدار إليها سائلا: أين؟
قالت عاتبة: هنا.
وحين أعاد المحاولة أعادت بدورها محادثته ومناقشته بأنها لا ترغب في أدوات زينة النساء، بقدر ما هي ترغب في مصادر الحماية والقوة لقبائلهم ومواطنيهم؛ للآلاف المؤلفة من أطفال ونساء وشيوخ القبائل العربية، التي أصبحت مطمعا لكل طامع.
ومنذ تلك الواقعة تحولت هدايا الحارث لابنة عمه من الذهب والجوهر وغالي الثياب إلى السيوف والحراب والنصال، لكن دون جدوى.
| مولد بغداد
لم ينقذ ذات الهمة من براثن ذلك الزواج المفروض عليها فرضا من جانب ابن عمها الحارث سوى ما جد من أخبار، وهو الزوج الذي أصبحت بالفعل تكرهه وتمقت ذكره، ولا تطيق تواجده في مكان واحد يجمعهما معا، بعدما حدث في حضرة الخليفة؛ حيث تم تحويل جلسة اللقاء الأولى معه للتبصير بالخطر الداهم، ومحاولة جمع الشمل العربي، وطرح قضية الاستعداد للجهاد، إلى قضية ذاتية شخصية، وهي الضغط عليها من كل المنافذ والجهات، حتى من جانب والدها نفسه مظلوم؛ لحملها على الاستسلام للزواج، الذي لم يتطرق إلى فكرها لحظة واحدة.
لم ينقذ ذات الهمة سوى الأخبار التي داهمت الجميع مرة واحدة كمثل كابوس قوي جاثم في عاصمة الخلافة، وهي خروج الروم البيزنطيين، بعد توحيد صفوفهم وجحافلهم الجرارة في تسعين ألف محارب، تتقدمهم سفنهم ومراكبهم، بعدما تساقطت ثغور المسلمين، الذين أبلى جدودهم في فتحها وتأمينها بتشييد الحصون والمتاريس وكافة الإنشاءات الدفاعية الحربية.
بل زاد من فداحة الأمر سقوط حملات جيوش المسلمين أسرى في قبضة الروم يسومونهم صنوف العذاب ألوانا، بمختلف وسائل الانتقام، عن طريق قتل شيوخهم وأطفالهم وشبابهم المحاربين دون أدنى رحمة أو شفقة.
وقدمت وفود الرسل التي تمكنت من الفرار في جحيم الاجتياح الرومي للثغور إلى عاصمة الخلافة، محملة بالأخبار والمعلومات الحربية، خاصة ما يتصل بالأسلحة الجديدة التي أدخلها الأعداء في الحرب، وحققوا بها انتصاراتهم في غفلة من العرب المتناحرين، منها: القنابل النفطية،
والمفرقعات، والبخور المركب الذي يحدث تأثيره في أعصاب المقاتلين العرب، ومنها: الخطط البحرية
الجديدة التي وضعتها ملكتهم العاتية «مالطينة»، وأختها التي تدعى الأميرة «باغة»، وقائد جيوشهم المدعو «إرمويل».
بل إن ما ضاعف من آلام ذات الهمة وكمدها هو مدى المشقة التي بذلتها أياما في حضرة أمير المؤمنين الخليفة المنصور وجمع وزرائه وقواده ومقربيه ومجلس حربه، تشرح لهم مدعمة كلامها ووجهة نظرها بمختلف الوثائق والخرائط والأسانيد التي جلبتها معها، ومنها مخطوطات وكتابات جدها الصحصاح حول أساليب تجهيز جيوش الأعداء لاجتياح ثغور المسلمين، وتهديم حصونهم،