وكانت الأميرة ذات الهمة تشارك برأيها الصائب فيما يعتمل ويجري من أحداث داخل الخلافة، بينما عينها لا تغفل عن تحركات الأعداء المتربصين عبر الثغور بانتظار لحظة الانقضاض على العرب والمسلمين.
كانت تجوب الأسواق وتجمعات الرجال متزيية كمثل فارس شاب، تشارك عيون قومها وعشيرتها ما يحدث ويستجد من أحداث انتقال الخلافة الإسلامية من دمشق الأموية إلى بغداد العباسيين.
وكانت ترى منذ البداية الوقوف إلى جانب العباسيين، وتحث على الدوام عمها ظالما وأباها على الرحيل إلى العراق وتأييد الخليفة الجديد، الذي وعد منذ توليه شئون المسلمين إعطاء الأولوية لحماية ثغور المسلمين ضد الأعداء الطامعين.
أما ابن عمها الحارث، فكلما التقى بها وتسمع حميتها وحماسها للجهاد تضاعفت نيران عشقه الدفين لها.
بل إن ذات الهمة من جانبها حاولت التقرب منه ومصادقته، والكشف له عن أبعاد شخصيتها، فهي لا تزهد أبدا في ابن عمها الحارث، بقدر أن ما يشغلها هو عدم الاستسلام للصراعات العربية، مما يتيح لأعداء العرب شحذ قواطعهم التي لا بد يوما وأن تلحق الرقاب. ومن هنا فلا مكان في فكرها للحب والعواطف بينما ملك الروم يدق الأبواب، كل الأبواب العربية، معلنا تحديه المشهر على رءوس الجميع.
وكانت ذات الهمة تدعم أقوالها وآراءها بتقديم الأخبار الموثقة التي بدأت تتواتر وتصل تباعا إلى كل الأسماع، بل هي كانت تتعمد حمل وثائقها المدونة المدعمة بالرسوم التخطيطية للثغور المتاخمة للأقوام الإسلامية، التي بدأت تتهافت وتتقوض تحت ثقل جيوش التحالف الرومية من كل الأقوام، والتي لا تجمعها لغة واحدة، كما هو حال العرب المسلمين، فلا علاقة تذكر بين الأروام وبين الغاليين، ولا بين الساكسون والكلت واليونانيين.
كل ما يجمعهم ويقرب بينهم هو الرغبة في العدوان، وفرض الهيمنة والتسلط على العرب والمسلمين.
كانت تصل بها الحدة ويغلبها الحماس إلى حد تذكير الجميع بالمذلة التي كان يرزح تحتها العرب فيما قبل الإسلام.
واليوم ها هم نفس المعتدين يواصلون تجميع فيالقهم للزحف والنفاذ من كل شبر وثغر لتقويض الرايات العربية، وإجبارها على الانتكاس.
ورغم أن الدلهمة كانت كثيرا ما تتبدى وكأنها تنفخ في جراب مقطوع، أو كما لو أنها تؤذن في مالطة؛ حيث لا يسمعها أو يستجيب لها أحد من جماهير الغافلين اللاهين بتأمين حياتهم اليومية مأكلا وملبسا، دون تفهم لما يجري من حولهم، خاصة عبر البحار والمحيطات الغامضة، برغم أن الخطر لا يقدم إليهم ليطولهم في مضاربهم ودورهم إلا عبر تلك البحار والمحيطات المحيطة.
لذا بدأت من فورها في تملك نفاد أعصابها في تفهيم الجميع، وإيصال دعواها إلى عقولهم نصف المغلقة، الغائبة عما يحدث، ويوما إثر يوم أشار عليها حكماء العرب بأهمية تدريس وجهات نظرها
تلك في مختلف الكتاتيب والمساجد ودور العلم، حتى يعيها ويتفهمها الجميع، وعلى أن يكون لها
نفس أهمية مراكز تدريبات الشباب والجند على الفروسية والمنازلة وفنون الحرب.
وهكذا أصبح لذات الهمة طاقم من المعلمين والمربين الذين حملوا لواء دعوتها إلى أهمية المبادرة بإعداد كتائب وفيالق الجهاد المرتقب، ودون تجاهل أو عزلة لأهمية ما يسود من معارف حول العلوم البحرية، من سفن وموانئ ومراكب وطبيعة بحرية.
ومع إعطاء كافة الاهتمامات لطبيعة البلدان التي يتجمع وينطلق منها أعداء العرب المتجمعون من كل ملة وصوب، عاداتهم ومعتقداتهم وملابسهم وأساليب حربهم، وطبيعة ما دأبوا على اتخاذه واستخدامه من أسلحة، لا تقف بحال عند المتعارف عليه لدى العرب من سيف وجواد ومقلاع.
وكانت ذات الهمة تجد في كتابات ومدونات وخرائط جدها الصحصاح، فاتح القسطنطينية، مادة قيمة شديدة الندرة والغزارة في تدريسها لنواة جيشها العربي من شباب المحاربين، ما بين عرب حجازيين ونجديين وسودانيين وسوريين وفلسطينيين، قدموا إليها من مختلف البلدان تحدوهم الآمال في المثابرة والجهاد والدفاع عن حصون وحرمات المسلمين ضد كل طامع.