تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين عاجله الإمام: من أنت؟

أردف: أنا من أنت أعرف الناس به، جئت من أجل الوديعة التي آن أوان استردادها.

فأغمض الإمام الشيخ متنهدا ... مدركا.

بينما عاجله قحطبة متصنعا الحزم: أخبرني هي عند من حتى أطلبها؟

فقال الإمام: يا هذا ... وديعتك عند ابن الحارثة؛ فامض إليه.

فتصنع قحطبة بمكره ودهائه أنه لم يسمع جيدا ما قاله الإمام المريض بادي الضعف والوهن والإعياء، وهو يزفر معانيا في قيوده وأصفاده الثقيلة التي كانت تحدث أصواتا وأزيزا يضاعف من وحشة المكان نصف المظلم، الذي حبس داخله الإمام الشهيد إبراهيم بن العباس.

تصنع قحطبة أنه لم يسمع جيدا ما ذكره الإمام، محاولا في غيبة من الحراس المتصنتين لكل ما يجري بينهما داخل المطمورة الموحشة، التي زج فيها بالإمام الأكبر، معاودا الصياح والولولة دفاعا عن حقوقه، وتلك «الأمانة» التي هي محصلة شقاء العمر من كد وكدح، والتي سبق لقحطبة أن أسلمها له كاملة لحين عودته من زيارة قبر رسول الله، ليجد أنه لم يحفظها له، بل هو أسلمها لآخر ربما رفض تسليمها وردها إليه، وهو صاحبها الفقير لله، والتي حفظها لأولاده، معاودا الصياح وتصنع البكاء سائلا: وديعتي عند ابن الحارثة، وأين لي بابن الحارثة؟ هل هذا يصح يا سيدنا؟ إن وديعتي أمانة في عنقك قبل أي شيء.

فأعاد الإمام الأكبر تأكيد مقولته ... وقد تفهم ألاعيب الرسول قحطبة، ذاكرا في تأكيد هذه المرة: هي عند ابن الحارثة ... فامض إليه.

وحين حاول قحطبة معاودة الصراخ وتصنع النحيب وهو يدق جدران سجن الإمام الأصم: أهكذا تهدر الأمانة؟ يا عالم ... يا هوه، تدخل الحراس من فورهم ، فجروا قحطبة في عنف ليصعدوا به سلالم الدرج الحجرية، وليعودوا من فورهم لإخبار الخليفة بما سمعوه ورصدته عيونهم.

أما قحطبة - وكان ماهرا في التنكر واختلاق الألاعيب - فعاد من فوره يتوسل إلى الحراس لتذليل مقابلته للخليفة وشكره، وتقديم شكواه ضد ذلك الشيخ المسن المعتوه الذي أفقده حقه ووديعته، بإيداعها عند آخر بدلا من ردها لأولاده وقبيلته.

فنهره الحراس من فورهم طالبين إبعاده، ذاكرين أن لا حاجة لهم في ذلك ... وإذا استعصى الأمر فليتوجه بشكواه للقضاء بدلا من إشغال وقت أمير المؤمنين.

وما إن تنفس قحطبة الهواء النقي في شوارع دمشق وباحاتها حتى اندفع من فوره ممتطيا صهوة جواده، مطلقا العنان لأفكاره، بعد أن وفق في تحقيق مأربه، متخذا طريقه قفزا إلى سمراء - أو سر من رأى - مفضيا إلى بائع حلوى البقلاوة، الذي بداره الإمامان: السفاح والمنصور، فأغلق حانوته واقتاده في حذر إلى سردابهما، حتى إذا ما وصل إليهما واجههما سائلا: من منكما صاحب العلامة؟

فوثب السفاح كاشفا من فوره عن خاصرته اليمنى، وإذا عليها شامة سوداء.

هنا بايعه الجميع.

وهكذا رجع الرسول من فوره إلى حيث مضارب أبي مسلم الخراساني، فأخبره بما حدث،

فجمع جنده وأنصاره، وضربت الأبواق، وخرج أبو مسلم في 120 ألفا من الأنصار فعبروا دجلة، واحتاروا في اتخاذ قرار الخروج سرا أم على رءوس الأشهاد.

وهكذا رجع قحطبة من جديد فسأل أبا العباس السفاح، الذي أمر بالخروج علنا على رءوس الأشهاد، فأقيمت السرادقات، وامتدت الزينات، وخرج السفاح ممتطيا فرسته «النوبة» ومن خلفه المنصور.

واجتمعت الأمم والملوك لاستقباله، وأعلنت الحرب التي امتدت طويلا إلى أن دخل أبو مسلم الخراساني دمشق، فهرب مروان بن محمد إلى ديار مصر، وتبعه أحد أنصار بني العباس المقربين، وهو عبد الله بن علي، الذي قاتل قتالا ضاريا، وكان يصرخ عبر معاركه في مصر العليا: يا لثارات بني هاشم، إلى أن تمكن من إلحاق الهزيمة به، بعد أن عبر النيل في إثره وقتله في أبو صير بمصر الوسطى، وقطع رأسه وعاد بها إلى دمشق ثم البصرة إلى السفاح، الذي توفي بعدها في 132 هجرية، وتولى بعده أخوه المنصور. •••

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ١٢