تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت كلماتها الأقرب إلى الواقعية تجد صداها في قلب ابن عمها الحارث حول الكيفية التي أفضت بحياة جده الصحصاح.

ومن هذا المنطلق يتزايد حبه لابنة عمه الداهية.

وتزايدت شهرة فاطمة، وتناقلت القبائل العربية في دمشق وحلب وبغداد أخبار فروسيتها، ورغبتها في استعادة أمجاد جدها الصحصاح في الدفاع عن الثغور العربية ضد الطامعين. وهنا أرسل لها من العراق بنو العباس وتابعوهم برسول لمعرفة رأيها في خلافة أعدائهم الأمويين الذين سلبوهم في دمشق أحقيتهم في الخلافة والقيادة.

أما الأمير الحارث فقد واصل حبه لابنة عمه فاطمة أو ذات الهمة، وحاول كثيرا التقرب منها بالزواج، إلا أنها رفضته على مشهد من القبائل؛ مما تسبب في مرضه، وانقطاعه عن الناس، وملازمته الفراش.

| انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين

وعاد رسول العباسيين مفكرا مستبشرا، تدور في مخيلته عبر رحلة عبوره للسهول والوهاد كلمات الأميرة ذات الهمة الملتهبة حماسا، إلى حيث مضارب ومخابئ بني العباس.

وعاد الأمير ظالم إلى ابنه العليل الحارث ومضاربه، لا يعرف كيف يتخير كلماته لزوجته وابنه مبررا رفض فاطمة ابنة أخيه مظلوم من جديد للزواج، إلا أنه لم يتمالك نفسه إعجابا برجاحة عقل ذات الهمة، واتساع بصيرتها، واستشفافها للأخطار الوليدة - التي سرعان ما سيتسع مداها - المحدقة بأمة العرب.

كانت قد ظهرت الفتنة في أعقاب الموت المفاجئ لسليمان بن عبد الملك بن مروان، فتولى بعده أمر الخلافة ابنه الوليد، وكان ضعيف الشخصية برغم دمويته وتنكيله ببني العباس، فلم يتمالك عن

اعتقال الإمام الأكبر إبراهيم بن محمد بن العباس وسجنه في مطمور داخل سرداب بنواحي دمشق؛ لذا نفرت منه الأمم، واستبشعت فعلته إلى حد رفض ومقاطعة بعض البلدان والأقوام الإسلامية.

وحتى عندما تجمعت النساء العباسيات ورحلن إلى دمشق طلبا للشفاعة، حين اعترضن موكب الخليفة المهيب وقبلن الأرض بين يديه ليطلق لهم سراح الإمام الشيخ المريض، رفض مروان بن محمد، وعبر وفودهن بخيوله وجبروته على مشهد من الجميع.

وهكذا تجمعت الأحقاد واستشرت المؤامرات، فخرج أحد أتباع الإمام الأكبر إبراهيم: أحمد بن صالح، وأخذ العهود من أنصاره، وبايعهم على الخلافة، وتذمر أهل خراسان، وبخاصة تلميذه الوفي القائد الفاتح أبو مسلم الخراساني، فواصل جمع الأنصار في البصرة والكوفة، واتخذوا لهم علامة، وهي الاتشاح بالسواد، تعبيرا عن الاستشهاد والأحزان الدفينة.

وخرج 120 من أخلص أتباع الإمام إبراهيم السجين وتفرقوا في البلدان الإسلامية بحثا عن ولدي الإمام الفارين ومعهم 90 من الأنصار، إلى أن توصل أحد رسلهم - ويدعى قحطبة،

وكان ماهرا في الخداع - إلى مقر ومهرب ابني الإمام في سامرا - أو سمراء - بالقرب من بغداد،

وتجمعوا ببيت بائع «بقلاوة» هرم، توصل إليه قحطبة، فأغلق حانوته مسرعا وقاده إلى حيث السرداب

الذي آثرا الهرب فيه، خوفا من بطش مروان وعيونه.

وحين تقدم الرسول إليهما مسلما متعرفا على ابني الإمام المظلوم، هذا أبو العباس السفاح، وهذا جعفر المنصور، سلم عليه الاثنان بالمبايعة في ذات الآن.

فرحل الرسول من فوره إلى دمشق، إلى أن وصلها بعد 30 يوما مع موعد خروج موكب الخليفة الأموي مروان، معترضا الموكب باكيا ساجدا: أغثني يا مولاي ... أغثني.

إلى أن ترجل موكب الخليفة سائلا عن حاله، فأخبره بأنه قبل رحيله إلى الأراضي الحجازية جمع ماله وما يملك وأودعه أمانة عند رجل مسن، وحين أودعه ماله وما يملك يقبع الآن بسجن أمير المؤمنين، وواصل بكاءه ونحيبه مقعيا تحت سنابك خيل الخليفة، إلى أن أمر الخليفة بزيارة السجين في حضرة الحراس.

وكتم قحطبة فرحه في قلبه مواصلا نحيبه وسوء حاله، إلى أن قاده الحراس إلى سجن الإمام في أغوار سرداب ينتهي بمطمور، إلى أن وصل إليه فوجده لاهثا مريضا خفيض الصوت، فبادره: السلام عليك يا إبراهيم.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ١١